مصائر الشعوب قضية اكبر من ان تسلم لأولاد. الولد او الصبي لم ينضج بعد لتقرير مصيره. فكيف يسلم اليه مصير غيره؟
والنضج ليس مرحلة عمر. انه لا يقاس بالسنين. هو نسبي الى حد كبير. وربما الى حد مطلق. لن يعرف الانسان النضج ابدا طالما بقي عبدا للضرورة ومشروعا للحرية. فلا الضرورة ستنتهي من حياة الناس، ولا التطلع الى الحرية سيكف عن الوجود.
مع ذلك هناك درجة ما من النضج في حياة الشعوب. ومرحلة ما سابقة لهذه الدرجة. هذه المرحلة السابقة سمها ما شئت: طفولة، مراهقة، شباب، اي شيء عدا ان تكون درجة ما من النضج.
من زاوية علم الاجتماع يربط ماركس النضج بالمجتمع البرجوازي. قبل ذلك لا يكون عند الناس الذين لم يصلوا الى مثل هذا المجتمع عقل استقل عن انواع التفكير الجماعي البدائية، وشرع بالتفكير بحرية، او خاض مغامرة العقل.
يقول ماركس: ان الهيئات الاجتماعية القديمة ابسط واكثر شفافية للغاية من المجتمع البرجوازي. ولكن قاعدتها هي عدم نضج الانسان الفرد، الذي لم يقطع بعد تاريخه: ”الحبل السري الذي يلحقه بالجماعة الطبيعية لقبيلة بدائية“. وهكذا فان الفرد في المجتمعات ما قبل البرجوازية، كائن عضوي في جسد جماعة. اذا انقطع عنها فقد توازنه وضاع. والقطيعة المقصودة ليست انفصالا جغرافيا او مكانيا، وانما الانفصال الفكري اوالثقافي.
وهذه هي القطيعة التي تمثل قطعة من العذاب. هي مثل انفصال الوليد عن الرحم. وكل ولادة عذاب، لأن كل ولادة مشروع حرية، اي مشروع حياة مستقلة عن ارغامات او قوانين الطبيعة التي تريحك من ”الفكر“.
النقلة من هيئة اجتماعية قديمة الى اخرى حديثة قد تأخذ معها المضمون القديم بقناع او شكل حديث. ولطالما شاهدنا الناس بيننا في العقود الماضية ينتقلون من العشيرة او الطائفة الى الحزب. والحزب ابن التنظيم الحديث للمجتمع، ابن المجتمع البرجوازي. لكن مجتمعنا لم يبلغ هذه المرحلة. وهو وافراده اخذوا معهم القبيلة او الطائفة الى الحزب. وهذا ما يسميه علي الوردي التناشز الاجتماعي. فالشيوعي عندنا، مثلا، يصبح ماركس الساعدي او تروتسكي المحمداوي.
وعندما يتسبب ظرف بخروجه او طرده من الحزب يتعذب تماما كالمخلوع من القبيلة او المرتد. انه لم يكن مناضلا في اداة لها وظيفة. وهذه الاداة قد تعطل او تفسد. وتلك الوظيفة قد تقل فائدتها او تتحول الى مضرة بنظره فيستطيع الفكاك او التخلي عنها. بل الحزب ايمان مطلق وعرض وشرف. انه القبيلة او الدين. والمرء لا ينفك او يرتد او يخلع دون اوجاع ورضوض وكسور. المرء طفل والجماعة ام واب.
وحدث ان تولى مصير العراق احد اطفال منتصف الليل. ولد من الاولاد الذين لم يشرقوا ولم يغربوا ويرتفعوا الى درجة الاحساس والوعي بمعنى المسؤولية عن المصير الفردي والجماعي. وايضا لم يوهب ملكة الفطرة السليمة. وخيل له غروره انه يمكن ان يحتل مقام الاله. والاطفال وحدهم يبلغون هذه الدرجة من السكر. وظل الرجل الطفل امينا لانعدام النضج حتى دمار ملكه واسرته وشخصه. وفي آخر ما ظهر من كلامه في تحقيقات الـ ”اف بي آي“ التي نشرت اخيرا قال: ”لو كانت لدي اسلحة دمار شامل (عام 1991) هل كنت لأترك القوات الاميركية في الكويت دون ان اهاجمها؟“.
ولم يكن ليفرق معه ان ذلك كان سيفني العراق. ان مصائر الشعوب قضية اكبر من ان تسلم لأولاد. ولكن الاولاد حكموا في اربعة اخماس التاريخ.