مع نهاية الشهر الجاري ستنسحب القوات الأميركية من العراق، ليبقى منها 50 الفا لها ثلاث مهام محددة، هي دعم القوات العراقية في معاركها ضد الارهاب، التدريب، وحماية المنشآت الأميركية.
ويأتي الانسحاب في وقت لم تستكمل القوات الأمنية العراقية بناءها، فأجهزة المخابرات وهي عصب الأمن القومي مازالت محدودة الفاعلية، والبلد خال من قوات جوية وبحرية تحمي حدوده من الانتهاكات. كما ان ولاءات القوات الأمنية موضع تساؤل . فهي جزء من الشعب، والشعب في هذه المرحلة تتنازعه أهواء طائفية واثنية ومناطقية. وهي بالتالي مع أي هبة ريح، او اختلال سياسي، لا سمح الله، يمكن ان تتعرض لانقسامات.
وزيادة على ذلك فان هناك قوى محلية وأخرى اقليمية لاتزال تخشى نمو واستكمال القوة الأمنية، وتعتبرها مصدر قلق. فلم تبن جسور ثقة بين الكتل السياسية، ولا مع دول الجوار الاقليمي. وبغياب الثقة داخليا وخارجيا يصبح الضعف الأمني لبغداد مطلبا لطيف واسع من القوى الداخلية والخارجية.
داخليا يمثل تمركز القوة الأمنية بيد طرف او كتلة سياسية تهديدا للأطراف او الكتل الأخرى. والتهديد يمتد الى ما وراء الحدود، اما لان للكتل السياسية المحلية امتداداتها الخارجية، او لان لبعض هذه الكتل مصالح يمكن ضمانها بضعف بغداد، او لان القوة الأمنية العراقية تمثل تهديدا استراتيجيا لبعض دول الاقليم.
كانت البلاد توصف في وقت ما بأنها « جمهورية الخوف». وكان مصدر الخوف واضحا. كان الخوف هو وسيلة الحكم. بعد التغيير عام 2003 لم ينشأ ظرف مساعد على تهدئة المخاوف. كانت الادارة الأميركية هي مالكة السلطة، هي صاحبة المبادرة، وكانت القوى السياسية تراقب اتجاهاتها وتترقب الحصول على مغانم منها.
وكان حصول هذا الطرف على هذا المغنم او ذاك يشكل خسارة لطرف آخر. وكان الشعور بالخسارة يشكل مصنعا للخوف. والخوف لا يبني التعايش السلمي. لقد كانت الخطوة الأولى لمثل هذا التعايش بين البيض والسود في جنوب افريقيا هي القضاء على الخوف. فقبل ان يبدأ التفاوض بين حكومة الفصل العنصري وبين المؤتمر الوطني الافريقي سألت الحكومة: ماذا ستفعلون بنا؟ ان البيض خائفون. وكان المبدأ المحرك للمفاوضات بين الجانبين يرتكز على منع الانتقام، وعلى تبديد مخاوف البيض. وعندما تحقق ذلك تم الانتقال السلمي الى الديمقراطية.
ان ظروف العراق المختلفة قادت الى نتائج مختلفة. وكانت جولة الحرب الأهلية الطائفية إحدى نتائجها. ثم أخذ الصراع الطائفي شكلا سلميا في عمومه، ومسلحا على نحو أضيق. ومع أن هذا تطور مهم، من المفترض ان يستتبع بسلوك طرق بناء الثقة، الا أن الكتل السياسية لم تقطع فيه شوطا كافيا. واستمرت المخاوف من كل الأنواع بين أطراف العملية السياسية، علاوة على الأطراف المعادية لها. مخاوف تتركز على نحو خاص في القوة الأمنية، وهي أساس أي سلطة.
ان هذه المخاوف هي التي تشكل أكبر تهديد للأمن الوطني العراقي. فهي التي تحول دون بناء وحدة وطنية، وتهز شعور المواطنة، وتنشر الشعور بالتمييز، وتجعل البلد منطقة صراعات إقليمية، وتمنع النمو الطبيعي لقوته الأمنية.
ولذلك يمكن الجزم بأن ضعف القوات المسلحة ليس مصدر القلق الأساسي على الأمن القومي في العراق بل غياب المشروع الوطني لبناء الثقة. الأشياء الأخرى تأتي تباعا إذا قامت الثقة.