رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2443

الصين يجب ان تعاقب

الأربعاء - 8 نيسان( ابريل ) 2020

علي الشرع
العالم كله الان في مشكلة كبرى بسبب فايروس كورونا قد تستمر وتتكرر كل موسم ولا تنتهي كما يقول خبراء الأوبئة. فلا يوجد للأنفلونزا الناتجة من الفايروسات أي علاج نهائي فوري بل لأي مرض يسببه الفايروس-أي فايروس- عموماً. اما اللقاحات فهي ليست فعالة تماماً في الحد من نشاط الفايروسات، فلقاح الانفلونزا الموسمية مثلاً قد يخفف او لا يخفف منها، كما انه ليس بدائمي بحيث يؤخذ مرة واحدة ولبقية العمر بل لابد من اخذه سنوياً، وقد لا يكون فعالاً مطلقاً فقد يصاب الشخص بالأنفلونزا حتى اذا اخذ اللقاح. ومع ان الانفلونزا ليست بتلك الخطورة من حيث العدوى والانتشار والاذى مثل فايروس كورونا المستجد، فأن كورونا يمتاز عن بقية الفايروسات من ناحية السلوك والاذى فهو لا يهاجم الجهاز التنفسي العلوي فقط مثل الانفلونزا العادية بل يجمع سمات امراض عدة في آن واحد فهو ينزل الى الرئتين لينخرها ثم ان تفاقمت الحالة سيهاجم الكلى ويقضي عليها اذا لم يكن لدى الشخص مناعة كافية او استعمل بعض علاجات تقوية المناعة. وبالرغم من ذلك مات كثير بسببه وهم شباب او حتى من استخدم علاجات تقوية المناعة ونجا منه من هو في أرذل العمر ومن لم يستخدم أي علاج. 
وبسبب هذا الفايروس دخلت البشرية في محنة ودوامة وبلاء عظيم حيث ان كل
 حرارة مرتفعة في جسم الشخص او تظهر عليه اعراض الانفلونزا العادية قد تكون علامة على حمل فايروس كورونا (كوفيد-19) بل الأشد من هذا ان ذلك يستدعي الحذر منه والانعزال منه ريثما يتأكد العكس. وستتنغص حياة البشر اذا كان هذا التحوط هو ما سيحدث مستقبلاً فلا يستطيع ان يعمل سائق التكسي مثلاً، ولا يدخل الطالب الى قاعة الدرس، وستضطر الدول في المؤسسات التعليمية ان تطبق نظام التباعد مما يستدعي زيادة عدد المؤسسات التعليمية او توسيعها من ناحية الحجم حتى تستوعب نفس اعداد الطلبة السابقين ويتطلب ذلك زيادة اعداد المدرسين فيها. وهذا سيشكل أعباء نفسية ومالية ضخمة خاصة في البلدان غير القادرة على توفير لقمة العيش لمواطنيها، وستتحول حياة البشر الى جحيم.
واذا تأكد ان هذا الفايروس هو نتاج مختبرات في ووهان الصينية او انها نتاج الأسواق الرطبة في الصين التي تُباع فيها الحيوانات البرية والخفافيش والثعابين، فيجب ان تُعاقب الصين بل عليها في نفس الوقت ان تدفع ثمن ما خسرته للبلدان الفقيرة التي تضررت جرّاء هذا الفايروس وحتى غير الفقيرة - كالاقتصاد العراقي مثلاً - ممن يعتمد على إيرادات النفط التي انخفضت بسبب قلة الطلب الناجم عن اغلاق المصانع في الدول المتقدمة. ومعاقبة الصين يجب ان ينفذ اذا لم تذعن لشروط المجتمع الدولي. والشرط هو اما غلق الأسواق الرطبة او منع بيع الحيوانات التي تسبب بين آونة وأخرى امراض فتاكة اخرها فايروس كورونا (كوفيد-19) - التي حرمت اكلها الشرائع السماوية ايضاً– اذا كانت هي المصدر الوحيد له فعلاً. ولحد الان، هذه الأسواق وهذه الحيوانات هي المصدر الوحيد؛ لأن هذا الفايروس خرج من مقاطعة ووهان الصينية التي تحتوي على مختبرات وبقربها يقع احد الأسواق الرطبة، وفرضية هروبه من المختبر ضعيفة لأنه سيصيب -اول من يصيب- الأشخاص العاملين فيه (وان كانت الحكومة الصينية غير الديمقراطية وغير الشفافة قد تخفي امراً خطيراً كهذا كونه سيلصق الاتهام العمدي بها). اما العقوبة في حال لم تستجب الصين للشرط السابق فهي مقاطعة بضائعها والامتناع عن السفر اليها والدراسة في جامعاتها؛ لأن الصيني نفسه كشخص اصبح قنبلة موقوتة يمكن ان تنفجر في اية لحظة عن فايروسات قاتلة جديدة ولا يمكن الوثوق بعدم تناوله هذه الحيوانات المقززة.
وحتى اذا اذعنت الصين وأغلقت أسواقها الرطبة او منعت بيع الحيوانات التي تنطلق منها الفايروسات، فعليها تعويض خسائر بعض الدول من انتشار هذا الفايروس تماماً كما يُفرض على من شن حرباً ظالمة ضد دولة او اشعل فتيل حرب عالمية ان يتحمل خسائر الحرب، فالمعاناة الاقتصادية من الفايروس لا تقل عن معاناة الحرب. والدول المتضررة ستوزع هذه التعويضات على مواطنيها الذين تضرروا نتيجة تفشي الفايروس وما سببه من حظر للتجوال لهم من انقطاع ارزاقهم في وقت لم يحصلوا على اعانات من حكوماتهم مثل حكام العراق الفاشلين الذين يتقاسمون ثروات البلد بينهم وبين الموظفين الذين يشكل اتباع الأحزاب الفاسدة غالبيتهم. وليس على الشعب العراقي المثقل بالهموم والأزمات ان يتحمل نتائج سوء إدارة الاقتصاد وسوء التعامل بل التآمر على ادخال كورونا الى البلاد كما انه لن يتحمل أعباء اقتراحات كارثية غير مدروسة للبعض. فهذا الذي يقترح على الحكومة القيام بتعويم الدينار او زيادة في الإصدار النقدي (اكبر من غطاءه من العملة الأجنبية خاصة) لا يتضرر كثيراً من هبوط سعر الصرف، فراتبه ان انخفض سيبقى اعلى من مليونين دينار، بينما راتب الموظف العادي سيصبح اقل من 500 الف دينار، فلاحظ الفرق.  وصاحب هذه الوصفة المقترحة يقارن ذلك بما حصل من ضخ أموال هائلة في الاقتصادات الغربية للتعويض عن نقص الطلب الكلي بسبب ازدياد عدد العاطلين عن العمل نتيجة الاغلاق (وصل الى اكثر من 5 ملاين عاطل في الولايات المتحدة). وصاحب المقترح يلوم الحكومة انها تتصرف بشكل معاكس خلافاً لمنطق السياسة الاقتصادية حيث انها حسب تصوره -الخطأ طبعاً- تتوسع حين التوسع وتنكمش حين الانكماش، ولم يسأل نفسه عن مصدر هذا التوسع والانكماش هل هو الإنتاج المحلي الحقيقي ام انه متأتي من عائدات النفط؟ ولو كان لدينا قطاع مادي حقيقي وحدث فيه توسع او انكماش لكان له الحق ونحن معه في انتقاد الحكومة لتطبيقها السياسة الاقتصادية بالمقلوب. والحقيقة ان التوسع في الاقتصاد العراقي مرتبط بعائدات النفط، فاذا زاد سعر النفط زادت العائدات وتوسعت الحكومة بانفاقها. واذا حدث العكس وانخفض سعر النفط قلصت الحكومة انفاقها ومن ثم لا علاقة للتوسع والانكماش بوضع القطاع المادي في الاقتصاد العراقي، ووصف مثل هذا مضلل وبعيد عن الواقع. والحال هو ان الاقتصاد لعراقي يعاني من ركود دائمي لا مكان للتوسع فيه، فلا وجود للإنتاج الصناعي ولا فرص لتشغيل اليد العاملة العاطلة، فالاقتصاد العراقي لديه صدمة عرض مزمنة -يسدها عن طريق الاستيراد- وصدمة طلب حالية -ناجمة عن الاغلاق- وليست صدمة طلب فقط. 
 ووضعنا هو بخلاف ما يجري في الاقتصادات الغربية التي من المحتمل ان تمر بظروف صدمة عرض بسبب ترك العمال  مواقع العمل والانسحاب الى منازلهم نتيجة للإغلاق، وقيام أمريكا وغيرها بضخ الأموال ليس فقط الخشية من انخفاض الطلب الكلي الناجم من فقدان الكثير من العائلات لمصدر دخلهم بل في المقام الأول لأسباب اجتماعية خوفاً من الذهاب الى الفوضى والنهب اذا لم يجد من فقد عمله المال لشراء احتياجاته الضرورية من الاكل والشرب لا  لشراء الملابس والسيارات والسفر التي تأثرت بسبب الاغلاق، وفي المقام الثاني هو الخشية من انهيار الشركات وخروجها من السوق وما ستسببه مستقبلاً  -اذا لم تستمر بالإنتاج او حتى بيع المتوفر من خزينها- من حدوث بطالة اجبارية هائلة وحدوث الركود (صدمة عرض). ولم يتم توفير هذا التمويل الضخم في أمريكا خاصة من الإصدار النقدي الجديد للدولار (طبع دولارات جديدة) كما فهم خطأ صاحب الاقتراح ويريد منا ان نطبقه على الاقتصاد العراقي؛ فهم لديهم طرق تمويل عديدة من خلال أدوات السياسة النقدية لا حاجة فيها للانزلاق نحو التمويل التضخمي كونهم يتبعون قاعدة معروفة لا يمكن لهم خرقها وهي (ان تنمو الكتلة النقدية بنفس معدل النمو الاقتصادي)، وهم لا يخافون من حدوث تضخم مطلقاً بسبب هذا التمويل الهائل؛ لأنهم ببساطة يريدون تعويض العاملين والشركات عما فقدوه من دخول على شكل أجور وارباح :أي ان مجموع الأجور المفقودة بسبب الاغلاق مع الأرباح المفقودة من قبل الشركات بسبب الاغلاق تساوي تقريباً مبلغ التمويل، ومن ثم لن يحدث تضخم. 
ولنسأل ما هو الهدف من اقتراح (زيادة الكتلة النقدية الدينارية بحجم اكبر من الكتلة النقدية الدولارية المتوفرة في حوزة البنك المركزي العراقي)؟ هل الهدف هو تخفيض القيمة الحقيقية للمبالغ المكتنزة لدى الناس (اكثر من 78% يحتفظ بها الناس في المنازل لا في المصارف)؟ فاذا حصل ذلك فلن يحتفظ احد بالدينار العراقي كأداة للادخار مستقبلاً. ام الهدف هو تخفيض معدل الفائدة في الاقتصاد العراقي الذي سيشجع رجال الاعمال على الاقتراض من اجل القيام بالاستثمار وسيساعد المستهلكين على الاقتراض من اجل بناء المنازل او شراء السلع الاستهلاكية التي تزيد من الطلب على الاستيرادات، من المؤكد ان هذه مجرد خيالات وليست واقعية؛ لأنه لو كان الامر هكذا لما تأخر البنك المركزي في تخفيضه الى معدلات متدنية اذا كانت تشجع فعلاً على الاستثمار في الاقتصاد وتوفير فرص العمل. اما اقحام منحنى فيليبس (الذي يربط بين التضخم والبطالة) في الاستدلال فهو امر غريب وسوء فهم واضح لما يعكسه هذا المنحنى، فهل يعني انه زاد حجم الإصدار النقدي وحدث التضخم سوف تقل البطالة في العراق وينتهي الركود والانكماش، كيف يحدث هذا! ونحن ان ذهبنا الى خيار ترك سعر صرف الدينار يتحدد في السوق فسنذهب الى الفوضى الاجتماعية؛ لأن العبء سيحتمله المواطن العادي. ولذا حذار الاستماع لهكذا أصوات تنقص اصحابها الفهم الصحيح للنظرية الاقتصادية وكيفية تطبيقها. ان الاخذ بهذا اقتراحات سنعاقب انفسنا وليس نعاقب الصين.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي