رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2443

عمارة الجليد والنار

الأربعاء - 8 نيسان( ابريل ) 2020

محمد الصوفي
(تنبيه: قد يحوي المقال على ”Spoilers“ - حرق لأحداث المسلسل)
ما أنْ حلق تنين دينيريس عاليا في ختام مسلسل صراع العروش، حتى انتهت في مخيلتنا عملية الترسيم لحدود الاحداث. ربما فاتني ان اكون احد قراء السلسلة الضخمة، والتي حملت عنوان (اغنية الجليد والنار)، الا اني احد ملايين المشاهدين الذين تابعوا واستمتعوا بالمسلسل الذي حولته شبكة HBO الى احد اضخم الاعمال التلفزيونية، واكثرها نجاحا.
تجري الاحداث في قارتين خياليتين: (ايسوس) و(ويستروس). تمتد الاولى بشكل عرضي، والثانية - الى اليسار منها - طوليا، تنفصلان عن بعض بالبحر الضيق. ورغم وجود بعض الكائنات والتفاصيل الخيالية، لكن ما هو طبيعي فيها بشكل ملفت للنظر، ان مواقع القرى والمدن في تلك القارات موزعة جغرافيا بشكل مشابه ـ نوعا ما ـ لاماكن تصوير مشاهدها، اي، اننا لو وضعنا الخارطة الخيالية التي نشرها المؤلف (جورج ر.ر. مارتن) في احد كتب السلسلة، فوق خارطة عالمنا الحقيقي (رغم اني اخشى الافراط باستخدام كلمة حقيقي)، ثم ثبتنا عليها اماكن تصوير المشاهد، فسنجد تطابقا في التدرج المناخي. فمشاهد (يونكاي) وعمارتها الطينية صورت في قصبة آيت بن حدو، في المغرب، وبمستوى خط عرض قريب - في كلتا الخارطتين - فان مشاهد (دورن) بفضاءاتها المظللة المطلة على حدائق النخيل صورت في اشبيلية/ الاندلس. ثم الى الشمال قليلا، مشاهد (كينغس لاندنغ) بقرميدها الاحمر صورت في مدينة (مالطا) ودوبروفنيك (كرواتيا). وصعودا اكثر، فان كل من (بايك)، و(نترفيل)، بحجرها الثقيل وتحصيناتها الدفاعية، صورت في مناطق متفرقة من شمال ايرلندا، وصولا الى ايسلندا.
ولأني كأغلب المعماريين، محروم من الاستمتاع البريء بالمشاهد، ومحكوم عليّ بلعنة تحليل البيئة المبنية والطبيعية، فان ذاكرتي سرعان ما أحالتني الى مقولة جوناثان هيل في كتابه ”العمارة والطقس“: "تاريخ العمارة باكمله يمثل بصورة او باخرى تاريخ الطقس ومتغيراته"، رغم ما فيها من اهمال للعوامل الانسانية.
إن جزءاً من هذا التطابق في النواحي المناخية يعكس ما ذهب اليه الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم: "كل معرفة هي معرفة بشرية"، وهي هنا بمعنى ان الخيال الانساني مهما انتج من غرائبية فهو مسجون بحدود تجربته الذاتية.
وربما هذا ما دعا الكثير من النقاد الى ربط احداث المسلسل بانها ذات رمزية، تشير الى احد اكبر التحديات التي نواجهها كبشر: التغير المناخي، او (أزمة المناخ - Climate Crisis) كما يفضل ان يسميها احد اساتذتي.
لكن عندما سئل المؤلف بهذا الخصوص، نفى الامر، ووضح بانه بدأ الكتابة منذ العام 1991، حيث لم يكن الحديث عن الاحتباس الحراري امرا شائعا بعد، لكنه وصف التشابه الذي حصل بانه من سخريات القدر، لان هناك بالفعل خطين متوازيين لسير الاحداث، بين عمله الروائي وبين الواقع: في العالمين هناك قوى تتصارع على النفوذ والمال، وامور اخرى مهمة ايضا، لكنها ليست مهمة لو كنا امواتا. بمعنى، ان الخطر الحقيقي الذي يهدد الوجود باكمله هو ما يستحق الاولوية، وهذا الخطر في المسلسل متمثل بجماعة الوايت ووكرز (The White Walkers)، وفي عالمنا بظاهرة الاحتباس الحراري.
ان التصدي لهذه الازمة يبدأ من القرارات السياسية والتنازلات من اكبر المستفيدين/ المتسببين بها، كالولايات المتحدة والصين والهند (المسؤولين عما يقارب 52% من انبعاث الغازات الدفيئة)، ولكنه لا ينتهي حتى عند ابسط مواطن، سواء بالمساهمة بثلاثية الحرف (R): تقليل الاستخدام، اعادة الاستخدام، واعادة التدوير (Reduce, Reuse & Recycle). او حتى بالنظام الغذائي، باعتبار ان تربية المواشي وسوق اللحوم لوحده مسؤول عن انبعاثات تفوق ما لكل وسائل النقل سوية. وفي ما بينهما، فان العمارة ليست الحل لمشكلة الكوكب، ولكن بامكانها ان تساهم وتستجيب بمقدار غير قليل، سواء من ناحية اعادة ابتكارنا لطرق الحياة والتنقل في المدن، ام على المستوى الفردي لكفاءة المباني، من حيث مواد البناء واستهلاكها للطاقة وغير ذلك، وهو في السنوات الاخيرة، ابرز ما يشغل الورشات المعمارية عالميا. في صراع العروش، تطلب الامر ثمانية مواسم من سكان قارتي ايسوس وويستروس، ليهزموا خطرهم الاكبر، فيما نحن في القارات السبع لا نملك بحسب التحذيرات اكثر من العام 2030 فقط، قبل ان تبدأ متغيرات المناخ بخط اللاعودة. وعليه، في مواسمنا العشرة القادمة، علينا ان نجيد ادوارنا ببراعة واتقان، من اجل حياتنا وحياة بقية الكائنات اولا. وثانيا، لعل هناك جمهور من كون موازي يتابعنا ويشجعنا بشغف. فهل سنواجه هذا التحدي كما ينبغي؟ بعد ان حصلنا على الالهام اللازم من ضمير جون سنو، حكمة تيريون لانستر، وجرأة آريا ستارك؟

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي