رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 7 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2447

فوضى دولة المكونات

الأربعاء - 8 نيسان( ابريل ) 2020

محمد عبد الجبار الشبوط

لا يصعب على المراقب ان يلاحظ ان "الدولة" العراقية تنزلق بسرعة كبيرة في منخفض الفوضى السياسي. لا يبعد عن الصواب ان نقول ان البداية الاهم للانزلاق بدأت مع تكليف عادل عبد المهدي بتشكيل مجلس الوزراء بطريقة اثارت شبهة دستورية، ثم بقاؤه في المنصب بعد الاستقالة، وهذه ايضا تحمل شبهة دستورية اخرى، ثم اعلانه "الغياب الطوعي" وهو مصطلح لا يوجد له اساس دستوري، ثم جاء التكليفان، والترشيحات المرافقة، وكلها تنطوي على شُبهٍ دستورية. كل هذا، مع التظاهرات الاحتجاجية، ثم غزوة الفيروس covid-19, التي توجت بالانخفاض الكبير باسعار النفط.
ربما شعر المواطن العادي بهذه الفوضى الدستورية والسياسية، لكن لا يبدو ان الطبقة السياسية "على علم بها!"، او كأنها لا تشعر بها! والدليل ان تصرفات الطبقة السياسية لا توحي بانها تدرك ان البلد يمر بهذه الفوضى بل يعاني منها. والدليل على ذلك اننا لم نسمع اية مبادرة من الطبقة السياسية لمعالجة هذه الفوضى. ولسنا ندري ان كان لدى الطبقة السياسية رؤية ما للخروج من هذه الحالة التي لا يمكن في نهاية المطاف الا ان تطحن المواطنين، وتساعد على تفتيت الدولة.
ليست هذه الفوضى وظيفية فقط، بل انها بنيوية وهذا اخطر ما فيها، بمعنى ان الفوضى ليست نتيجة لسوء الاداء، انما هي نتيجة لسوء البناء، او ما اسميه "عيوب التأسيس". واهم ما في هذه العيوب بالنسبة لما نحن فيه، امران: المكوناتية والدستور. فقد تم اقامة هذه الدولة، وسلطتها على نحو ادق، على اساس المكونات وليس على اساس المواطنة، واول نتائج هذا الامر انه اخرج المواطنين من دائرة الدولة، وصار عليك ان تكون عضوا في مكون قبل ان تكون عضوا في الدولة، اي مواطنا. واصبحت الدولة رهينة مكوناتها، فاذا ساء اداء المكونات، تدهورت صحة الدولة. وهذا ما يحصل بالضبط الان، ويمكن رصد سلوك "المكونات" ومن يزعم تمثيلها من احزاب فئوية او امراء السياسة خلال الفترة الماضية لكي يمكن قياس سلامة الاداء بالنسبة لانعكاسه سلبا او ايجابا على صحة الدولة وسلامتها. ودلت النتائج النهائية على مدى سوء هذا الاداء بعد ان تدهورت صحة الدولة بقياسات غير مسبوقة ادت الى اعاقتها وشللها، وربما تؤدي لا سمح الله الى تفتتها وانشطارها. لعلنا لا نبالغ اذا قلنا اننا في المرحلة الاخيرة من عمر الدولة، فاما ان تواصل انحدارها وهبوطها الى قعر المنخفض، واما ان تنهض وتستعيد حياتها وعافيتها  بموجب نظرية الفوضى الخلاقة او creative destruction. . وهذا الاخيرة تفترض قبول القائمين بها بدفع فاتورتها العالية عادة. دلت كل التجارب التاريخية المماثلة على ان الطريق الوحيد لانقاذ الدولة من السقوط هو دفع فاتورة الانقاذ. لا يمكن الحفاظ على امتيازات الوضع الراهن، والطمع بامتيازات الوضع القادم، في نفس الوقت؛ اما هذه او تلك. واذا كان التخلي عن الاولى هو جزء من فاتورة الانقاذ فليكن، والا ف"اتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً". اما وصفة الانقاذ فهي: #الدولةالحضاريةالحديثة التي تتضمن علاج كل امراض دولة المكونات، من حيث استنادها الى المواطنة والديمقراطية وحكم القانون والمؤسسات والعلم الحديث، مقابل التخلي عن المكوناتية، والتوافقية، والمحاصصة، والزبائنية، والطائفية السياسية، والعصبية العرقية، والجهل والخرافة.
وهذا يتطلب، من بين امور اخرى، في نهاية المطاف، تعديل الدستور، ليكون الخارطة العليا للدولة العراقية، بعد ان ثبت ان الدستور الحالي قاصر عن بناء الدولة الحضارية الحديثة، وينطوي على ثغرات كبيرة اضرت كثيرا بالدولة.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي