رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 7 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2447

انهيار اسعار النفط ومتطلبات الامن البيولوجي

الثلاثاء - 7 نيسان( ابريل ) 2020

تغطي هذه الدراسة اخر التطورات والبيانات والمعلومات المتعلقة اولا بالجوانب المالية والاقتصادية لموضوع الامن البيولوجي، وثانيا اساسيات سوق النفط الدولية، وثالثا موازنات النفط للأربعة الكبار- مقارنة التأثر والضرر، ورابعا التداعيات المحتملة لفشل "اوبك +".. واخيرا محاولة الاجابة على ما الذي دفع الى هذا الوضع الكارثي رغم انعكاساته المدمرة.

 

أحمد موسى جياد
خامسا: ما الذي دفع الى هذا الوضع رغم انعكاساته المدمرة؟
معظم المواقف والتحليلات والتقارير والدراسات التي اطلعت عليها، وهي كثيرة للغاية، تضع اللائمة على وتحاول تفسير الموقف السعودي الذي ادى الى انهيار (او حرب) الاسعار او استغلاله لتحقيق اهداف معينة مع ان بعضها، وخاصة السعودية وعدد محدود من المواقف الامريكية، تضع اللائمة على روسيا كذلك. وهذا ما سأتناوله الان لمحاولة فهم مواقف السعودية وروسيا والتحرك الامريكي.
من المعروف انه سبق للسعودية ان رفضت التحرك في البداية عند انهيار الاسعار في شهر حزيران من عام 2016 بحجة المحافظة على او استرداد "حصة السوق" (او لاعتبارات جيوسياسية دولية كانت تهدف لوضع ضغط اقتصادي على كل من ايران وروسيا وفنزويلا في ذلك الوقت)، وقد تسبب ذلك الموقف في تزايد الخزين النفطي على المستوى الدولي مما ساهم في استمرار تدهور الاسعار. وعندما "فشلت" سياسة اغراق الاسواق بالنفط (وفشل تحقيق المقاصد الجيوسياسية خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي مع ايران في عام 2015) تواصلت السعودية مع روسيا مما ادى الى اتفاق "اوبك+" الذي تم التوصل اليه في 30 تشرين ثاني/ نوفمبر 2016 وبدا تنفيذه اعتبارا من كانون ثاني 2017. كانت السعودية طوال سريان الاتفاق تخفض انتاجها بأكثر مما هو مطلوب في الاتفاق. وقد عملت السعودية على تبني اجتماع اوبك الاخير، بتخفيض اضافي في انتاج "اوبك+" بواقع 1.5مليون برميل يوميا، كما ذكر اعلاه. وبمجرد رفض روسيا للتخفيضات الاضافية واقترحت بدلا من ذلك استمرار الاتفاق الحالي، انقلب الموقف السعودي بشكل مفاجئ ومعاكس، 180 درجة، من تخفيضات اضافية الى انتاج بأقصى طاقة متاحة! فما هي اسباب هذا السلوك وما هي مبرراته وكيف يمكن تفسيره؟
يوصف الموقف السعودي، من منطلق ادبيات المفاوضات الدولية بالتموضع الصدامي "Confrontational positioning" الذي يقود بالضرورة الى خسارة الجميع تطبيقا لفكرة "عليَ وعلى اعدائي"؛ وهناك عدة حالات يتم فيها تبني او تفسير مثل هذا الموقف:
1- في حالة ان يكون للمفاوض (السعودي) بديل او بدائل اخرى تعطي نتيجة افضل من هذا الاتفاق؛
2- يعتقد المفاوض ان الطرف الاخر (روسيا) لا يستطيع الاستمرار في موقفه وسوف يخضع ان عجلا او آجلا في حين انه (اي السعودية) تستطيع التحمل؛
3- ان المفاوض قد خطط مسبقا للوصول الى هذه النتيجة (اي عدم الاتفاق)؛
4- افتقار المفاوض الى الحكمة والمعرفة وعدم الاكتراث بالنتائج؛
5- عدم حرص المفاوض على ادامة وتطوير العلاقة مع الطرف الاخر.
ان تحليل البيانات والاحصائيات اعلاه يشير بوضوح الى عدم توفر الحالتين الاولى والثانية للسعودية، مما يعني احتمالية الحالات الثالثة او الرابعة او الخامسة او اي تشكيل بينها. فقد اشار احد التحليلات الى ان الموضوع كان مخططا له منذ مدة من قبل ولي العهد السعودي لتشتيت الانتباه الدولي، عن اعتقال حوالي عشرين من اعضاء العائلة الحاكمة وذلك بالانشغال بانهيار اسعار النفط وانتشار فيرس كورونا وعدم الاهتمام بقضايا الصراع على السلطة والحكم ضمن البيت السعودي. وفي نفس السياق اشارت تحليلات اخرى الى افتقار متخذ القرار السعودي (ولي العهد) الى الحكمة والتروي مسترشدة بان العديد من قرارات وتصريحات وتصرفات ولي العهد والتفرد باتخاذ القرار قد قادت فعليا الى نتائج سلبية وفي حلات عديدة. وفي مداخلات اخرى تمت الاشارة الى عدم الاتعاظ والتعلم من الدروس والتجارب السابقة حيث كررت السعودية نفس الخطأ الذي ارتكبته عند انهيار الاسعار في منتصف عام 2014، علما ان وزير النفط السعودي الحالي هو شقيق ولي العهد.
كما اشارت احدى المداخلات الى ان القيادة السعودية تريد ان تظهر بانها قوية ومؤثرة والمحافظة على صورتها وسمعتها وخاصة في محيطها الاقليمي والاسلامي. وهناك رأي يقول بان تحرك السعودية جاء بالنسيق مع الجانب الامريكي للضغط على روسيا؛ بينما يناقضه راي اخر بالقول ان السعودية تهدف الى تقليل حصة روسيا في السوق النفطية و"القضاء" على النفط الصخري الامريكي في آن واحد!
بالمقابل كان الموقف الروسي اكثر عقلانية ومرونة في البداية ثم اصبح اكثر تصميما لاحقا؛ حيث اقترح استمرار الاتفاق الحالي لغاية نهاية العام والاستعداد لمناقشة الامر قبل انتهاء سريان الاتفاق الحالي في نهاية آذار. ولكن بعد ان رفض وزير النفط السعودي مناقشة الامر مؤكدا عدم الفائدة من اي حوار، أصبح الموقف الروسي اكثر حدة وتصميما. فقد صرح مسؤول روسي بأن بلاده تمتلك 570 مليار دولار من الاحتياطي والصناديق السيادية؛ وان موازنة روسيا السنوية ومنذ عام 2014 مبنية على سعر 40 دولارا، وان اية زيادة فوق ذلك السعر تخصص للصناديق السيادية؛ وان روسيا تستطيع التعايش لسنوات (من 6 الى 10) مع 20 او 25 دولار للبرميل؛ وبسبب تصريحات مسؤولين من السعودية والامارات والكويت والعراق اعلن في موسكو ان بوتن ليس على استعداد لمناقشة الموضوع مع اي من الدول المذكورة.
ومن الجدير بالذكر انه كان هناك نوع من الاتفاق بين بوتن ورؤساء الشركات النفطية الروسية على ضرورة استمرار الاتفاق مع اوبك ولكن دون اية تخفيضات اضافية في انتاج النفط. والاسباب في ذلك عديدة. حيث يرى الجانب الروسي، وخاصة رئيس شركة روزنفط الحكومية ان تخفيضات انتاج "اوبك +" الحالي قد منح فرصة للنفط الصخري الامريكي وان اي تخفيض جديد سيعزز من تطوير انتاج النفط الصخري على حساب نفط "اوبك+". وهذا غير مقبول لروسيا خاصة بوجود العقوبات الامريكية ضد انبوب السيل الشمالي2 والعقوبات الاقتصادية ضد روسيا وادراج رئيس شركة روز نفط على القائمة السوداء الامريكية. كما وتشير المعلومات ان لدي شركة روزنفط مجموعة من المشاريع التي ستبدأ بالانتاج في 2019/2020 وهذا يفسر معارضة هذه الشركة لأية زيادة في التخفيضات.
كذلك يوجد رأي يقول بان انخفاض الاسعار الى اقل من 25 دولارا سيحجم من تطور وانتاج النفط الصخري الامريكي مما يعطي اهمية ودور للنفط الروسي في موازنة النفط الدولية (كما نوقش اعلاه). كذلك ان انخفاض الاسعار سيدفع بالسعودية، كما سبق وان حصل بعد انهيار الاسعار في منصف عام 2014، الى طلب الحوار مع روسيا ثانيةً، وعندها، يقول رأي اخر، سيطلب بوتن من القيادة السعودية والضغط عليها من اجل المساهمة في حل المعضلة السورية، وهذا يعزز الموقع الجيوستراتيجي لروسيا في الشرق الاوسط من جهة ويضمن تنفيذ الاتفاقيات العديدة (عشرين اتفاقية بقيمة تزيد على 2 بليون دولار) التي تم التوقيع عليها خلال زيارة بوتن الى السعودية في شهر تشرين اول الماضي.
اما الموقف الامريكي من انهيار اسعار النفط فقد تم الترحيب به في البداية وخاصة من خلال المكالمة الهاتفية بين ترامب ومحمد بن سلمان ودعوة ترامب لشراء مزيد من النفط لأغراض الخزين الاستراتيجي، كم ذكر سابقا. الا ان ترامب تراجع بعد ان اتضح مدى التأثيرات لانخفاض الاسعار على انتاج النفط في اميركا من جهة، وتزايد تأثير وانتشار وباء كورونا في اميركا من جهة ثانية.
تشير معظم الآراء المتعلقة بإنتاج النفط الصخري الامريكي الى وجود مدى سعري Price range يحدد الى حد ما الموقف الرسمي للإدارة الامريكية: ففي الحد الاعلى (عند ارتفاع اسعار النفط) يستفيد منتجو النفط الامريكي فيما يتَضرر مستهلكو النفط، وفي الحد الادنى (عند انخفاض اسعار النفط) يحصل العكس؛ حيث يتضرر منتجو النفط الامريكي فيما يستفيد مستهلكو النفط.
معظم الاهتمام يتركز على الحد الادنى وكانت الطروحات في وقت انخفاض النفط تتعلق بتقدير سعر التصافي Breakeven price (وهو السعر الذي يسمح باستمرار الانتاج بدون ارباح) ومنذ انهيار الاسعار في منصف عام 2014 برز مفهوم سعر الغلق Shut-in price (وهو السعر الذي يكون اقل من الكلفة التشغيلية مما يدفع الى ايقاف الانتاج واغلاق المشروع وخاصة بالنسبة للمنتجين الصغار).
وهذا التركيز على الحد الادنى لسعر النفط، مفهوم ومبرر للغاية، لان الموضوع يتعلق بالمصلحة الوطنية وامن الطاقة وتحقق هدف سياسة "استقلال الطاقة Energy Independence" الذي عملت امريكا على تحقيقه منذ بداية عقد سبعينات القرن الماضي.
تتباين التقديرات في تحديد الحد الادنى (سعر التصافي) كثيرا، فحسب تقديرات رايستاد للطاقة فان خمسا فقط من الشركات المنتجة للنفط الصخري يكون فيها سعر التصافي اقل من 30 دولارا لنفط برنت. بينما يقدر بنك جي بي موركان JP Morgan ان شركة شفرون تحتاج سعر 55 دولارا للبرميل لتغطية برنامج نفقاتها.
كذلك يؤدي انخفاض السعر دون الحد الادنى الى تقليل النفقات الاستثمارية والتشغيلية لشركات الاستكشاف والانتاج E&P مما يقود بالنتيجة الى التأثير على شركات الخدمات النفطية. وفي هذا المجال تتوقع رايستاد للطاقة ان تقلص الشركات من نفقاتها بحوالي 250 بليون دولار في عامي 2020 و2021 في حالة انخفاض الاسعار الى 30 دولارا، مما يؤدي الى انخفاض نشاطات وبالتالي الطلب على الخدمات النفطية بحواي 15%.
ومن التأثيرات المهمة على انهيار اسعار النفط هو اعادة تقييم (تخفيض) الاحتياطي النفطي المؤكد Proven reserve للشركات النفطية الكبرى والمعروفة بممارسة " Book reserve احتياطي الحساب" مما يؤدي الى انخفاض رصيد او اصول الموجودات لتلك الشركات الذي يؤدي بدوره الى انخفاض قيمة اسهمها في البورصة، لان الشركات ملزمة قانونيا بأعلام "لجنة البورصة SEC" وتقديم تقييم جديد وبشكل دوري. لقد ورد في الانباء ان حجم التخفيض في قيمة الاحتياطي النفطي للشركات النفطية الكبرى يزيد على 200 بليون دولار، كما وذكرت شبكة CNBC مساء يوم 31 آذار ان اسهم الشركات النفطية فقدت حوالي 90% من قيمتها لغاية تاريخه.
اما ما يتعلق بالحد الاعلى لسعر النفط، فلم ينل ذلك الاهتمام الذي يحظى به الحد الادنى والمعلومات المتعلقة به محدودة للغاية. وقد ذكر الكاتب المتخصص سايمون واتكنز حديثا، ان هذا الحد الاعلى هو بحدود 70 دولارا، ولم اطلع على غير هذا التقدير في مصادر اخرى.
وبسبب تزايد تأثير انهيار اسعار النفط على انتاج النفط الصخري، تقدم ستة من اعضاء مجلس الشيوخ في الكونغرس الامريكي برسالة، بتاريخ 25 آذار، الى وزير الخارجية بومبيو، تبدأ بالقول ان السعودية وروسيا بدأتا حربا اقتصادية على امريكا، ويحثونه على ممارسة الضغط على السعودية وتقديم بدائل وتذكيرها بما تستطيع امريكا ان تفعله في حالة رفض السعودية التجاوب مع ما جاء في الرسالة.
كذلك برز التلويح ثانية بتشريع "لااوبك NOPEC" الذي بدا العمل عليه منذ عام 2007 وحث ترامب على التوقيع عليه مما يعني السيطرة على كل الاصول المالية وموجودات اعضاء دول الاوبك في امريكا والنظام المصرفي الدولي وغير ذلك من الاجراءات المتطرفة الاحادية الجانب. الغريب ان يأتي هذا التلويح والاوبك في أضعف موقف!
في خضم هذه الظروف المعقدة والمواقف المتناقضة والعلاقات الدولية المتشنجة اجرى الرئيسان ترامب وبوتن، بطلب من الجانب الامريكي، في 30 آذار - اي قبل يوم واحد من انتهاء سريان اتفاق "اوبك+"، مكالمة هاتفية من ضمن ما تم تناوله فيها وباء كورونا وسوق النفط الدولية؛ وقد اتفقا على عقد استشارات بين وزارتي الطاقة لبلديهما، فيما يتعلق بالقضية النفطية، مما يمكن اعتباره تطورا مهما في دبلوماسية النفط الدولية.
يحتل هذا الاتصال الهاتفي بعض الاهمية وفي اكثر من جانب لكل من ترامب وبوتن.
فبالنسبة لترامب ان هذا الاتصال جاء بناء على طلب امريكي مما يترك الانطباع بأخذ ترامب زمام المبادرة لحلحلة هذه الازمة الدولية في وقت عصيب خاصة وان ترامب قد صرح قبل مدة بانه سيتدخل عند الضرورة وقد فعل؛ وقد يستخدم هذا التحرك لأغراض الانتخابات الرئاسية في شهر تشرين الثاني هذا العام - وهذا بالتأكيد ما سيفعله ترامب وداعموه؛ قطع الطريق امام الرؤوس الحامية التي تحث على تشريع "لااوبك" لان نجاح التنسيق مع روسيا يعني فعليا تحجيم ان لم يكن انهاء دور اوبك، مما يقلل من مبررات التشريع؛ توفير حبل انقاذ "وحماية وجه" السعودية ومساعدتها في النزول من اعلى الشجرة لاتخاذ مواقف واقعية وتخفيض انتاجه حيث تشير المعلومات الى قرب سفر مبعوثة الطاقة فكتوريا كواتس الى السعودية لهذا الغرض؛ الدفاع وحماية الصناعة النفطية الامريكية عند اجراء اللقاءات والاستشارات الوزارية بين البلدين وغيرها.
اما بالنسبة لبوتن فان الطلب الامريكي يدلل على صواب الموقف الروسي، اُثناء اجتماع "اوبك+" الاخير، وفي نفس الوقت دليل وتاكيد على "ضعف" الموقف السعودي؛ تاكيد صواب الموقف الروسي الذي كان يدعو الى مشاركة "منتجين اخرين" في "اوبك+"؛ ان التواصل المباشر بين روسيا وامريكا في قضايا النفط الدولية سيشكل نمطا مهما في التعاون الثنائي بينهما، مما قد يترتب عليه نتائج مؤثرة منها ومن اهمها رفع او تخفيف العقوبات الامريكية على روسيا وخاصة مشاريع انابيب نقل الغاز الى اوروبا؛ الغاء او تقليص القائمة السوداء الامريكية التي تتضمن بعض القيادات الروسية النفطية والمالية؛ تحجيم نشطات النفط الصخري الامريكي؛ المساهمة في ايجاد تفاهم او حل للمعضلة السورية؛ الغاء او تخفيض العقوبات الامريكية على ايران؛ تحجيم نشطات النفط الصخري الامريكي وغيرها.
ليس من المتوقع ان تثمر المشاورات المرتقبة بين وزارتي الطاقة الروسية والامريكية الى نتائج سريعة ومهمة نظرا لتباين الاهداف والتصورات الجيوسياسية والجيوستراتيجية لكلا الطرفين، ولكن يمكن ان تشكل هذه المكالمة الهاتفية بداية عهد جديد في التنسيق الفاعل الذي قد يعوض عن ـ وينهي ـ محفل الطاقة الدولي IEF والذي، للمفارقة، تشكلت سكرتاريته في العاصمة السعودية، الرياض، عام 2002 من جهة، وقد يحجم من دور واهمية منظمة اوبك، ونحن على اعقاب الذكرى الستين لتأسيسها.
ولكن كل شيء يتوقف بالتأكيد على متى تتم السيطرة دوليا على وباء كورونا، وكما يقال ما بعد وباء كورونا ليس كما قبله.
* استشارية التنمية والأبحاث - النرويج

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي