بغداد ـ العالم
في ضجيج الحياة اليومية بمدينة البصرة، حيث تتداخل هموم المعيشة مع تعقيدات الواقع الاجتماعي، اختارت ياسمين العلي أن تبدأ من جديد، لا بوصفها ضحية تجربة قاسية، بل كامرأة تحاول إعادة تعريف ذاتها وصناعة مستقبل مختلف لها ولأطفالها. ياسمين، من مواليد عام 1994، نشأت في المحافظة الجنوبية وارتبط اسمها منذ سنواتها الأولى بشغف بسيط تحوّل مع الوقت إلى مشروع حياة: تصنيع الزيوت الطبيعية والاستفادة من خصائصها العلاجية والتجميلية.
تقول ياسمين إن اهتمامها بهذا المجال بدأ في مرحلة المراهقة، حين كانت تمضي ساعات طويلة في التعلم والتجربة، تقرأ وتبحث وتخلط الزيوت، بدافع الفضول أولاً، ثم بدافع الشغف. إلا أن هذا المسار لم يكتمل آنذاك، إذ دخلت تجربة الزواج في سن مبكرة، وأنجبت ثلاثة أطفال، قبل أن تنتهي تلك التجربة بالانفصال، لتجد نفسها فجأة أمام واقع مختلف تماماً، محمّلة بمسؤوليات اجتماعية واقتصادية مضاعفة. بعد الانفصال، لم يكن أمام ياسمين ترف الانتظار أو الاتكاء على الآخرين. عادت إلى ما تحب، واتخذت قراراً جريئاً بالعمل، رغم الخوف وعدم اليقين. سحبت قرضاً مالياً بقيمة 40 مليون دينار عراقي، لتؤسس مشروعها الخاص الذي أطلقت عليه اسم «معصرة حكاية»، وهو مشروع متخصص بعصر وتحضير الزيوت الطبيعية وتسويقها بشكل مباشر. تصف تلك الخطوة بأنها الأصعب في حياتها، إذ كانت مليئة بالقلق، خصوصاً في ظل الالتزامات المالية الثقيلة وعدم وجود أي ضمان حقيقي لنجاح المشروع.
وتعترف ياسمين بأن القلق يرافقها يومياً، قائلة إن التفكير بكيفية تسديد القرض لا يفارقها، لكون المشروع هو مصدر الدخل الوحيد لها. فهي المعيل الأساسي لعائلتها، وتعتمد عليها والدتها المسنّة التي تعاني من أمراض مزمنة وتتطلب رعاية دائمة. هذا العبء، كما تقول، يجعل كل يوم اختباراً جديداً للصبر والإرادة. ما يميّز تجربة «معصرة حكاية»، بحسب صاحبتها، هو الاعتماد على الصدق والشفافية في جميع مراحل العمل، بدءاً من اختيار المواد الخام، مروراً بعملية العصر والتحضير، وصولاً إلى التعبئة والتسويق المباشر للزبائن. تؤكد ياسمين أن هذا النهج ليس مجرد خيار أخلاقي، بل رهانها الحقيقي للاستمرار وبناء الثقة في سوق يعاني من الغش وضعف الرقابة. ولا يتوقف طموح ياسمين عند حدود المشروع الاقتصادي فقط، بل يتعداه إلى هدف اجتماعي أوسع، يتمثل في تغيير النظرة السائدة تجاه المرأة المنفصلة أو المطلقة. ترى أن المجتمع غالباً ما يحاكم المرأة من خلال تجربتها الزوجية، متجاهلاً قدراتها وإمكاناتها. وتؤمن بأن الانفصال قد يكون نهاية قصة، لكنه في الوقت ذاته بداية قصة أخرى، إذا ما امتلكت المرأة الإرادة والدعم. تقول ياسمين إن أحد أكبر دوافعها للاستمرار هو رغبتها في أن تكون مصدر فخر لوالدتها، في ظل كثرة المشككين بقدرتها على النجاح. وتضيف بلهجة مؤثرة: «بهذا المشروع أحب أن أنتصر بأطفالي»، معبرة عن أملها في أن تتمكن مستقبلاً من شراء منزل يجمعها بهم، خاصة وأنهم يقيمون حالياً لدى والدهم.
وفي رسالة توجهها للفتيات، تدعو ياسمين إلى القوة وعدم التنازل عن الحقوق، مؤكدة أهمية الاستقلال الاقتصادي للمرأة وقدرتها على إدارة حياتها بنفسها. كما تشدد على الدور المحوري للعائلة في دعم بناتها، ومساندتهن في مواجهة التحديات بدلاً من أن تكون جزءاً من الضغط الاجتماعي.