بغداد ـ العالم
من داخل إحدى مدارس مدينة كويسنجق، حيث يلتقي التعليم بالحرفة، تنبض تجربة إبداعية خاصة يقودها المدرّس آرام بهرام قادر، الذي استطاع أن يحوّل شغفه القديم بالنجارة إلى مشروع فني متكامل، يجمع بين التراث، والعمل اليدوي، والبعد الجمالي، في محاولة لإحياء الصناعات التقليدية وإعادة الاعتبار لها بوصفها جزءًا من هوية المكان ومصدرًا محتملاً للجذب الثقافي والسياحي.
آرام بهرام قادر، وهو مدرس في مدرسة “أختر” الابتدائية للبنات ويقيم في مدينة كويسنجق، لم تكن النجارة بالنسبة له مجرد هواية عابرة، بل رافقته منذ سنوات طويلة، وتحديدًا منذ عمله في قسم المهن الصناعية داخل المدرسة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الحرفة إلى جزء أساسي من برنامجه اليومي، قبل أن يقرر التفرغ لتطويرها والاحتراف في تفاصيلها الدقيقة.
وخلال حديثه، يؤكد آرام أن جميع القطع التي تحيط به من صنع يديه، وهي أعمال تتنوع بين مجسمات فنية للحيوانات، وأدوات تُستخدم في الحياة اليومية، مثل الأواني والصحون والمطاحن اليدوية، في مزيج يجمع بين الجمال والمنفعة. ويشير إلى أن صناعة مجسمات الحيوانات، كالجمل الذي يرمز إلى البيئة الصحراوية، أو الحصان المعروف بالقوة والجمال، تتطلب دقة عالية ومهارة متراكمة، إذ تمر القطعة بمراحل متعددة من التشكيل والصقل حتى تصل إلى الشكل النهائي المطلوب.
ومن بين أعماله اللافتة، يعرض آرام مطحنة يدوية صغيرة مصنوعة من الحجر، تُستخدم غالبًا لطحن القهوة، في نموذج يجمع بين البساطة والتراث والوظيفة العملية، ويعكس علاقة الإنسان القديمة بالأدوات اليدوية.
وفي ما يتعلق بالمواد الأولية، يعتمد آرام بشكل أساسي على الأخشاب الطبيعية، مثل خشب الجوز والمشمش والبلوط، لما تتمتع به من متانة وطول عمر وصعوبة الكسر. كما يستخدم أخشاب شجرة الكاليبتوس الجافة، التي تتحول بعد جفافها إلى خشب صلب لا يتشقق، ويُصنَع منها العديد من الأدوات المخصصة للزينة أو الاستعمال اليومي.
ولا تقتصر أعماله على الأخشاب الطبيعية فحسب، بل تشمل أيضًا الأخشاب المصنعة في المعامل، مثل خشب (MDF)، إضافة إلى أخشاب رقيقة تُستخدم في الأعمال الزخرفية، كالمرايا المعلقة على الجدران المصنوعة من خشب المعاكس. ويبيّن أن ورشته تستقبل أحيانًا طلبات خاصة من الزبائن، حيث تُصنع القطع وفق الرغبة والحاجة، سواء من حيث الشكل أو الحجم أو الاستخدام.
كما يستخدم آرام الخشب الفنلندي الناعم في صناعة الملاعق والشوك الخشبية المخصصة لإعداد الطعام والقلي، موضحًا أن هذا النوع من الخشب مناسب للاستعمال الغذائي، كونه لا يُفرز شظايا ولا يتفتت عند تعرضه للرطوبة، ما يجعله آمنًا وصحيًا. في حين يُستخدم خشب الجوز لصناعة أوانٍ خاصة بتقديم المكسرات أو للزينة المنزلية.
وإلى جانب النجارة، شارك آرام في أعمال فنية أخرى، من بينها تزيين جرار مصنوعة في قسم السيراميك من الطين الاصطناعي، حيث أُضيفت إليها لمسات من الزخرفة التراثية الكردية، أو غُطيت بالأقمشة ذات التصاميم التقليدية، لا سيما الجرار الكبيرة المخصصة لجمع وحفظ مياه الشرب، في أعمال تتطلب دقة عالية وحسًا فنيًا واضحًا.