غربان الشتاء تغزو العاصمة.. بين ذاكرة التشاؤم ودورها البيئي الخفي
24-تشرين الثاني-2025

بغداد – العالم
مع اقتراب موسم الشتاء من كل عام، تعيش بغداد ظاهرة تتكرر باطراد: توافد أعداد كبيرة من الغربان إلى مواقع معيّنة في المدينة، أبرزها نصب الجندي المجهول ومنتزه الزوراء وبعض المساحات المفتوحة. هذه الظاهرة التي باتت جزءًا من مشهد العاصمة، تجمع بين المعتقد الشعبي والواقع العلمي، وتثير تساؤلات السكان حول أسبابها وتداعياتها.
كما في كثير من المجتمعات الريفية، احتل الغراب موقعًا مركبًا في الذاكرة الشعبية العراقية. ففي شمال البلاد، وتحديدًا في الموصل ووديان نينوى، ارتبط ظهور الغراب تاريخيًا ببشارة المطر، كما تقول الحاجة نهاية جاسم: “كان الناس قديماً يستبشرون برؤية الغراب لأنه علامة على تغيّر الطقس واقتراب موسم الغيث”.
وتضيف أن وجود الغربان في القرى والسهول كان مؤشرًا يعتمد عليه الفلاحون لقراءة التحولات المناخية، قبل انتشار الأرصاد الجوية ووسائل التنبؤ الحديثة.
في المقابل، يحمل أبناء الجنوب نظرة مختلفة تمامًا للغراب، تقوم على التشاؤم، كما يروي الحاج رسن زامل من الديوانية: “الغراب يجلب النحس، وإذا مرّ فوق قرية فهذا يعني أن مكروهاً سيقع لأحد سكانها، أو أن نارًا ستشتعل، أو سيُصاب أحدهم بأذى”.
ويشير زامل إلى أن هذه المعتقدات راسخة في الذاكرة الشعبية، رغم أنها تتعارض مع التفسيرات العلمية الحديثة، إلا أنها لا تزال متداولة في الريف والمدن الجنوبية.
ويعود بعض الباحثين أصل هذا الرمز المتشائم إلى قصة قابيل وهابيل في القرآن الكريم، حيث ظهر الغراب لقابيل بعد قتله أخاه وعلمه كيف يواري الجثمان. هذه الرمزية المرتبطة بالموت والدفن أسهمت في ترسيخ صورة الغراب كطائر “منذر بالشؤم” في المخيال العام.
لكن خلف هذه المعتقدات الشعبية، تحمل الحقيقة العلمية صورة مختلفة لطائر الغراب. فالخبير البيئي عمر الشيخلي يوضح أن الغربان التي تظهر في بغداد خلال الشتاء هي خليط من عدة أنواع تنتمي إلى “الغرابيات”، وأكثرها عدداً هو الزاغ أو الروك، وهو طائر مهاجر يأتي من سيبيريا، والأناضول، وغرب إيران بحثًا عن الدفء والغذاء.
يقول الشيخلي إن “الغربان تتحول في هذا الموسم إلى فرق تنظيف طبيعية، إذ تتغذى على بقايا الحيوانات والنفايات والقوارض، ما يجعلها عاملاً أساسياً في الحفاظ على التوازن البيئي وتقليل الآفات والأمراض”.
ويحذر الشيخلي من تراجع أعداد هذه الطيور في السنوات الأخيرة نتيجة استخدام المبيدات، والصيد الجائر المرتبط بالسحر والشعوذة، إضافة إلى تقلص المساحات الخضراء بسبب التمدد العمراني.
ويُرجع هذا التراجع إلى آثار بيئية خطيرة، من بينها زيادة انتشار الآفات الزراعية مثل سوسة النخيل الحمراء، التي تُعد من أخطر التهديدات على بساتين العراق.
ورغم النظرة الشعبية السلبية المنتشرة حول الغراب، إلا أن هذا الطائر يلعب دورًا أساسيًا في واحد من أكثر أنواع الصيد شهرة في العراق: صيد الشاهين. يقول الصياد حاتم عزيز إن الغربان السوداء تُشترى من سوق الغزل في بغداد، ويُعتمد عليها في نصب الفخاخ في صحراء السماوة، حيث إن الشاهينة الحرة تهاجم الغراب فور رؤيته، ما يجعل وقوعها في المصيدة أمرًا محتملًا.

العراق فوق كل اعتبار
23-حزيران-2026
حصر السلاح بيد الدولة.. بين ضرورات الاستقرار وتحديات الواقع
23-حزيران-2026
كيف حولت السينما الأفكار المجردة إلى صور؟
23-حزيران-2026
هابرماس فيلسوف المراجعات الكبرى جرفه «الطوفان»
23-حزيران-2026
الذكاء الاصطناعي «يسرب» أسئلة الامتحانات لتلامذة بريطانيين
23-حزيران-2026
الأفاعي والتماسيح تحيط بـ «رونالدو وهالاند» في كأس العالم
23-حزيران-2026
وفاة أول شرطية مرور في اليمن
23-حزيران-2026
«كسرتني بموتك».. أسرة العندليب تكشف كواليس اللقاء الأخير بين عبد الوهاب وحليم
23-حزيران-2026
الاقتصاد العراقي بين الريع والنهوض الحضاري
23-حزيران-2026
لغة الازياء .. عندما تتحدث الحضارة بصمت ..
23-حزيران-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech