الوجه اشارة. احيانا الى خرابة وأخرى الى عمارة. بداوة او حضارة. رعونة او حكمة. خوف او أمان. اختلال او توازن. وغالبا خليط مركب من هذا وذاك. هناك وجوه لا تمل من التحديق فيها. وأخرى تشعرك بالفزع من نظرة واحدة. وليس الأمر متعلقا بجمال او قبح الخلقة. لا أبدا. ان لكل ذلك التنوع مصادر داخلية نابعة من الروح.
أول اشعاع او دخان هذه المصادر يظهر في العينين. العيون الأكثر صفاء تغمرك بالإطمئنان. انها تعكس سلام الأعماق. بصورة ما يبدو الوجه المتوج بعينين صافيتين وكأنه يختزل نوع الحياة التي تتمناها لنفسك ولسائر البشر. وبمثل هذه الصورة بدت لي سيدة عراقية في نحو الستين من عمرها على شاشة احدى الفضائيات. جيء بها الى برنامج لتتذكر. الأشياء الجميلة لا تأتي من هذه الأيام. تأتي من أيام أخرى مازلت ترى آثارها البديعة شاخصة في أمثال تلك السيدة.
كان وجهها نظيفا. وكانت لهجتها العراقية آسرة. لا أعرف ما هي أسباب قلة تقدير العراقيين للهجتهم العامية. أنا أعتقد أنها من اللهجات الجميلة. ويخيل الي ان العرب يمكن ان يتحدثوا يوما بالعراقي، ومن دون ان يصابوا بالتهاب اللوزتين كما يظن البعض. يحتاج الأمر الى إرساء تقليد مازال غائبا في «بلاد الظما»، وذلك هو التقدير. لعل المزيد من وجود ومن ظهور أمثال وجوه تلك السيدة يمكن ان يبعث الأمل في إحياء ذلك « التقليد».
وقد كان معها في نفس البرنامج الذي استضيفت فيه وجهان رحمانيان آخران. رجلان في السبعينيات من العمر. جاءا من أجل التاريخ ايضا. أولهما المؤرخ نجدة فتحي صفوة، وكان دبلوماسيا في العهد الملكي. الآخر الكاتب عطا عبد الوهاب الذي عمل سكرتيرا لدى الأمير عبد الاله. كلاهما يعطيان الانطباع بالراحة وبالثقة. صفوة اشهر من ان يعرف. زرته يوما في منزله بلندن. كانت زيارة عمل. وكانت الحصيلة مثمرة، المعلومات في مكانها غير مشوبة بانحياز، والرأي هادئ لا تعكره ميوعة ولا شدة.
عبد الوهاب تعرفت عليه محررا لكثير من مؤلفات المعماري الشهير رفعت الجادرجي. عربية الجادرجي ليست بجودة انكليزيته. ولابد ان تحرير عبد الوهاب جاء نتاج ايمان بأهمية وجمالية مؤلفات رفعت وليس عن مجرد احتراف. هؤلاء قوم كانوا شغوفين بحياة أفضل وكانوا مسكونين برقة إحساس تجاه الآداب والفنون.
اما السيدة ثالثة الضيوف، فاتنة الوجه، فهي تمارا الداغستاني، كريمة اللواء الركن غازي الداغستاني معاون رئيس أركان الجيش العراقي في حكومة الملك فيصل الثاني. جمعهم برنامج على قناة « الشرقية»، موضوعه الليلة الأخيرة لحياة الأسرة الملكية في بغداد، يوم الثالث عشر من تموز 1958 .
اثنان من ضيوف البرنامج، تمارا وعبد الوهاب، عادا الى العراق بعد التغيير عام 2003 مصحوبين بأعمال وآمال. لم يمض عليهما طويل وقت حتى عادا من حيث جاءا. مرة أخرى وجدا ان موسم العودة بعيد ثم بعيد.
تمارا كانت بعمر الثانية عشرة في الليلة الملكية الأخيرة. كانت الأسرة الملكية جالسة تتفرج على ألعاب ساحر. الى يمين تمارا يجلس فيصل الثاني الآمل في لقاء خطيبته في اليوم التالي في تركيا. انتهت الفرجة وعادت تمارا الى منزلها مع أمها. وانتهى البرنامج التلفزيوني بقول تمارا انها تمنت لو بقيت مع الأسرة الملكية التي لقيت حتفها صبيحة اليوم التالي. للآن تشعر بذنب. بكت وبكيت.