بغداد ـ العالم
لم تعد السدارة البغدادية مجرد قطعة لباس تقليدية، بل تحولت إلى علامة ثقافية تختصر جانباً من تاريخ العاصمة العراقية، وتعكس صراع الذاكرة مع مظاهر الحداثة المتسارعة. ومع عودتها إلى الواجهة عبر الفعاليات التراثية، تبدو هذه القبعة وكأنها رسالة واعية للحفاظ على ملامح المجتمع البغدادي، وإعادة وصل الأجيال المعاصرة بجذورها الاجتماعية والتاريخية.
في هذا السياق، يستقبل المتحف البغدادي زوّاره للمشاركة في فعالية تراثية تُعنى بإحياء طقوس وتقاليد شكّلت جزءاً أصيلاً من المشهد الاجتماعي للعاصمة، وفي مقدمتها السدارة التي ارتبطت في حقب سابقة بالأناقة والوجاهة. وتأتي فعالية “يوم الأفندي والخاتون” لتجدد حضور هذا الرمز، وتؤكد أن الأزياء ليست مجرد مظاهر شكلية، بل تعبير عن هوية جمعية وذاكرة مشتركة.
ووثّق المتحف استعداداته لاستقبال المشاركين عبر مقطع فيديو نُشر على صفحته في “فيسبوك”، أظهر تجهيز القاعات واستعادة أجواء بغداد القديمة، فيما تضمّن بوستر الدعوة صورة للملك فيصل الأول بن الحسين، الذي يُنسب إليه إدخال السدارة إلى العراق قبل نحو قرن، لتصبح لاحقاً جزءاً من المظهر الرسمي للنخبة السياسية والاجتماعية.
تعود جذور السدارة إلى مطلع عشرينيات القرن الماضي، حين تولى الملك فيصل الأول عرش العراق عام 1921. وتشير روايات تاريخية إلى أنه كان أول من ارتداها ووزعها على المسؤولين، حتى عُرفت أحياناً باسم “الفيصلية”. ومع مرور الوقت، انتشرت في مدن عراقية عدة، غير أن حضورها الأبرز ظل في بغداد، حيث ارتداها الرجال في المناسبات الرسمية والاجتماعية، وأصبحت علامة تميزهم في محيطهم العربي.
كانت السدارة آنذاك أكثر من غطاء للرأس؛ فقد مثّلت دلالة على الانتماء للدولة الحديثة التي كانت تتشكل، وعلى تبني مظهر يعكس التنظيم والهيبة. ومع توسع مؤسسات الدولة، تحولت إلى جزء من الصورة العامة للموظف والمسؤول، وأسهمت في صياغة ملامح الهوية الحضرية للعاصمة.
لكن هذا الحضور بدأ بالتراجع تدريجياً بعد نهاية العهد الملكي، ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق. فمع صعود أنماط جديدة من الأزياء، تراجعت السدارة من الاستخدام اليومي، لتصبح أقرب إلى رمز تراثي يظهر في المناسبات الخاصة والمهرجانات الثقافية.
ورغم هذا التراجع، لم تختفِ السدارة من الذاكرة الجمعية. إذ يعمل مهتمون بالتراث على إبقائها حيّة من خلال فعاليات سنوية تستقطب شخصيات من مختلف محافظات العراق ومن مكونات اجتماعية متنوعة، يحرص كثير منهم على ارتدائها خلال الاحتفالات، في مشهد يعكس رغبة مشتركة في صون الإرث الثقافي من الاندثار.
وتسعى الدورة الرابعة من فعالية “يوم الأفندي والخاتون”، التي تُقام نهاية يناير من كل عام، إلى استعادة ملامح بغداد القديمة، عبر حضور شخصيات مهتمة بالزي التراثي، ما يمنح الحدث بعداً يتجاوز الاحتفاء الشكلي ليصل إلى إعادة قراءة التاريخ الاجتماعي للمدينة.
تتخذ السدارة شكلاً نصفياً مقوساً ومدبباً من الوسط، وتُطوى إلى الداخل بطيتين، ويغلب عليها اللون الأسود بوصفه اللون الرسمي، إلى جانب ألوان أخرى أقل شيوعاً. كما يمكن طيّها بشكل مسطح عند عدم ارتدائها، وهو تصميم يجمع بين البساطة والعملية.