بغداد ـ العالم
في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات متراكبة بين تراجع الإيرادات النفطية وتذبذب أسعار الطاقة عالميًا، فجّرت قرارات حكومية أخيرة بفرض ضرائب ورسوم جمركية جديدة موجة واسعة من الجدل السياسي والاقتصادي، لتتحول سريعًا إلى محور صدام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فبينما باشر نواب في مجلس النواب العراقي بجمع تواقيع لإلغاء قرار صادر عن مجلس الوزراء للحكومة المنتهية ولايتها، بدعوى مخالفته الصريحة للدستور والقوانين النافذة، تتصاعد المخاوف من انعكاسات هذه الإجراءات على الأسواق المحلية، وحركة التجارة، ومستويات التضخم والبطالة. وفي ظل تحذيرات نيابية واقتصادية من كساد وركود محتملين، تتقاطع هذه التطورات مع توقعات دولية بانخفاض أسعار النفط خلال العامين المقبلين، ما يضع العراق أمام اختبار صعب في إدارة موارده المالية والحفاظ على استقرار سوقه الداخلية، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى السياسات الضريبية المتخذة وتوقيتها في مرحلة سياسية واقتصادية حساسة.
وباشر عدد من أعضاء مجلس النواب، أمس السبت، بجمع تواقيع نيابية تهدف إلى إلغاء قرار صادر عن مجلس الوزراء للحكومة المنتهية ولايتها، يتعلق بفرض إجراءات ضريبية ورسوم جديدة، مؤكدين أن القرار يشكّل مخالفة صريحة لأحكام الدستور والقوانين النافذة.
وبحسب وثيقة حصلت عليها "العالم"، فإن قرار مجلس الوزراء رقم (97) لسنة 2025، الصادر خلال الجلسة الاعتيادية الثالثة والأربعين المنعقدة بتاريخ 28/10/2025، جاء مخالفًا لأحكام المادة (28/أولًا) من الدستور العراقي، التي تنص بوضوح على أنه “لا تُفرض الضرائب أو الرسوم، ولا تُعدَّل، ولا تُجبى، إلا بقانون”. كما أشارت الوثيقة إلى أن القرار خالف أيضًا أحكام المادة (1/ثالثًا) من قانون التعرفة الجمركية رقم (22) لسنة 2010 المعدل، والتي أكدت أن الرسوم الجمركية تُعد جزءًا لا يتجزأ من القانون، ولا يجوز تعديلها أو المساس بها إلا بقانون يصدر عن مجلس النواب، أو بقرار من مجلس الوزراء في حالات الضرورة الاقتصادية وبما يقتضيه اتخاذ إجراءات الحماية المؤقتة.
وأوضحت الوثيقة، أن مجلس الوزراء لا يمتلك الصلاحية القانونية لتعديل هذه الرسوم بقرار إداري، الأمر الذي يفقد القرار صفته القانونية والدستورية، ويفتح الباب أمام الطعن به من قبل السلطة التشريعية.
في السياق ذاته، أكدت النائب عن كتلة دولة القانون، ابتسام الهلالي، أن جلسة مجلس النواب المقرر عقدها يوم السبت ستناقش حجم الإيرادات غير النفطية في العراق، كما وردت في قانون الموازنة الاتحادية، والتي تشمل الرسوم والضرائب والجباية.
وقالت الهلالي، إن “المجلس سيستضيف خلال جلسته رؤساء هيئات المنافذ الحدودية والضرائب والكمارك، لمناقشة واقع عمل المنافذ الرسمية، وآليات استحصال الضرائب، فضلًا عن تطبيق نظام الأسيكودا الرقمي، وتأثيره المباشر على سعر صرف الدولار وارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية”.
وأضافت أن “مجلس النواب سيناقش أيضًا قرار مجلس الوزراء القاضي بفرض ضرائب ورسوم على السيارات والسلع والخدمات والأجهزة الإلكترونية والأدوية ومواد أخرى”، مبينة أن “قيمة الضريبة المضافة وصلت إلى نحو 30%، ما أدى إلى توقف واضح في الحركة التجارية داخل السوق العراقي، وألقى بظلاله السلبية على النشاط الاقتصادي العام”.
وتزامن ذلك مع تصاعد حالة الاستياء في الأوساط التجارية، إذ أعرب تجار الجملة وأصحاب مخازن السلع والبضائع في العاصمة بغداد، يوم الخميس الماضي، عن استيائهم الشديد من قرارات الحكومة الأخيرة المتعلقة بزيادة الضرائب وتطبيق التعرفة الجمركية الجديدة، إلى جانب فرض علامة الجودة على جميع السلع المستوردة.
وأكد التجار أن هذه الإجراءات المتزامنة تسببت بإرباك واضح في حركة البيع والشراء داخل الأسواق المحلية، محذرين من أن استمرار الضغط الضريبي سيقود إلى حالة كساد كبيرة، نتيجة الارتفاع المفاجئ في كلف الاستيراد والتخزين، فضلًا عن صعوبة قدرة السوق والمستهلك على امتصاص هذه الزيادات السعرية في وقت قصير. وفي هذا الإطار، حذر الخبير الاقتصادي محمد الحسني، من أن فرض الرسوم الجمركية على البضائع والسلع المستوردة سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وحدوث ركود اقتصادي واضح. وأوضح أن الحكومة لجأت إلى فرض هذه الرسوم في وقت لا يمتلك فيه العراق قطاعًا صناعيًا قادرًا على تلبية احتياجات السوق المحلية، مشيرًا إلى أن الإنتاج المحلي المتوفر لا يكفي لتغطية الطلب، الأمر الذي سينعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين، وقد يسهم في زيادة معدلات البطالة، لا سيما بين فئة الشباب.
على صعيد آخر، ذكرت شركة ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي الأمريكية، امس السبت، أن انخفاض أسعار النفط سيؤثر بشكل مباشر على احتياطي العملة الصعبة في العراق، مشيرة إلى إمكانية حصول عجز كبير في الحساب الجاري للعملة.
وتوقعت الشركة، في تقرير اطّلعت عليه "العالم"، أن يبلغ متوسط سعر برميل النفط (خام برنت) نحو 58 دولارًا أمريكيًا خلال عام 2026، بانخفاض يُقدَّر بـ16% مقارنة بالمتوسطات المتوقعة لعام 2025. وأوضحت أن هذا التراجع سيؤدي إلى انخفاض عائدات النفط، وقد تتفاقم هذه الخسائر في حال تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، ما يضعف الطلب على النفط في الأسواق الدولية.
وأضاف التقرير أن استمرار الضغط الناجم عن انخفاض أسعار الطاقة سينعكس سلبًا على الموازين الخارجية للدول المصدّرة للمحروقات، وعلى قدرتها في تكوين احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، لافتًا إلى أن هذا الانخفاض قد يؤدي إلى تفاقم عجز الحساب الجاري في كل من العراق والجزائر وليبيا. ويُعرَّف عجز الحساب الجاري بأنه الحالة التي تتجاوز فيها واردات الدولة من السلع والخدمات والتحويلات المالية قيمة صادراتها خلال فترة زمنية معينة، ما يشكّل تحديًا إضافيًا أمام الاستقرار المالي والاقتصادي.