احمد شافعي
في وقت لا يمر فيه يوم من دون أن نشهد من دونالد ترمب عرضاً جديداً يزيدنا حيرة، ويدفعنا إلى مزيد من التساؤل عن الوجهة التي يمضي بالعالم إليها، يجدر بنا أيضاً أن نفكر في الوجهة التي جاء منها ترمب، عسانا نفهم إن تكن رسومه الجمركية خروجاً على الرأسمالية نفسها لا على العولمة فحسب، وهل يتناقض مع تخفيضه حجم الدولة بتفريغ بعض مؤسساتها وتسريح موظفيها، ناهيكم بكثير من التصريحات المربكة والمتعارضة.
وفي ما نتابع عروض ترمب التي لا يبدو أنها ستتوقف عما قريب أو حتى ستهدأ وتيرتها، قد يكون لنا عون في كتاب صدر حديثاً بعنوان "أوغاد هايك: علاقة اليمين المتطرف بالعرق والذهب ومعدل الذكاء والرأسمالية" لكوين سلوبوديان، أستاذ التاريخ الدولي بمدرسة "فريدريك باردي" للدراسات العالمية في جامعة "بوسطن".
تستهل ريبيكا روثفيلد استعراضها الكتاب ["واشنطن بوست" – الرابع من أبريل (نيسان) 2025] بقولها، إنه في حين تواصل الترمبية انتشارها فإن تناقضاتها تتفاقم هي الأخرى. ومن تلك التناقضات أنها حركة شعبوية، ولكنها تحتضن إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، جاعلة منه فتى إعلاناتها. وفي حين أن الترمبية ثورة على دعاة العولمة وأتباعهم الرأسماليين فإنها تملأ جيوب أعدائها هؤلاء بخصخصة خدمات عامة. وعلى رغم شيوع تفسيرات الترمبية، فحتى أعتى دعاة حركة "ماغا" (أي: استعادة عظمة أميركا) عاجزون عن تفسير هذه التناقضات، اللهم إلا بقصة يسردها سلوبوديان:
"منذ المفاجآت السياسية التي تمثلت في الـ’بريكست‘ وانتصار ترمب في انتخابات 2016 الرئاسية، ثمة قصة عنيدة تفسر الشعبوية اليمينية باعتبارها رفضاً شعبياً للنيوليبرالية"، وبموجب هذه القصة يمثل صعود ترمب سخطاً على "أصولية السوق، أي الإيمان بأن لكل شيء على ظهر كوكب الأرض سعراً، وبأن الحدود (بين الدول) أمر عفا عليه الزمن، وبأن الاقتصاد العالمي يجب أن يحل محل الدول القومية، وبأن الحياة الإنسانية قابلة للاختزال في دورة الكسب والإنفاق والاستدانة والموت".
"تبدأ سردية سلوبوديان في أعقاب الحرب الباردة مباشرة، حينما وجد النيوليبراليون أنفسهم مشتبكين في نقاش غريب لا يتعلق للمرة الأولى بآليات السوق. فالرأسمالية انتصرت على الشيوعية، لكنه نصر لم يبد في أعين أشد أنصارها حماساً نصراً تاماً، إذ كانت اليسارية لا تزال تحظى بشعبية كبيرة على المستوى الثقافي، وبات النيوليبراليون مرتبكين أمام المطالبات المستمرة بمعالجة انعدام المساواة على حساب الكفاءة والاستقرار والنظام، فبدأوا في الهجوم على الثقافة المعادية للأسواق، والشعب غير المتكيف، وعلى الظروف الاقتصادية غير المواتية لبقاء الرأسمالية بصفة عامة. وبدأوا يتساءلون، صاخبين في بعض الأحيان، عما لو أن بعض الثقافات، بل وبعض الأعراق، قد تكون أقرب إلى النجاح في الأسواق، وبعضها ليس كذلك".
"وكان فريدريك هايك، وهو أبرز المفكرين الاقتصاديين الليبرتاريين في القرن الـ20، قد أدلى بدلوه في هذه المسائل في محاضرة له عام 1967. ويحسب له أنه لم ينزلق إلى أشكال التعصب المتطرفة التي أمعن بعض أتباعه لاحقاً في تبنيها بشراسة، إنما ذهب بدلاً من ذلك إلى أمر مدهش، إذ قال إن الاشتراكية هي الحال التي ينجذب إليها البشر بطبيعتهم، ولأننا نشأنا في جماعات صغيرة يعد التضامن أصلاً من أصولها، فإن النيوليبرالية (منهج مكتسب) يتعارض مع غرائز البشر الأشد رسوخاً فيهم".
اختلف أيضاً هايك وورثته المنحرفون على سؤال أشد جذرية عما لو أننا يجب أن نحترم ميولنا البدائية، وعما لو أننا أصلاً قادرون على تغييرها، فكان هايك يؤمن بأن الميل البدائي إلى الاشتراكية يمكن قمعه عبر التدخل الثقافي، بل لا بد من قمعه، أما روثبارد وهوب فقد خلصا إلى أنه لا مهرب لنا من هباتنا البدائية، فلو أن أشباه البشر الأوائل كانوا رأسماليين مبتدئين، فمن نحن كي نتجاهل هذه الحكمة الموروثة؟.
كتب سلوبوديان أنه في مواجهة هذه المشكلة النيوليبرالية "انشق روثبارد وهوب عن حجج هايك المتعلقة بالتعلم الاجتماعي والمحاكاة الثقافية، مستغلين الموضوعية المزعومة في علم الأعراق"، وفي رأيهما أن التدخلات القائمة على افتراض المساواة منذورة بالفشل، لأن الفوارق العرقية فطرية (وكذلك الفوارق الجندرية بدرجة أقل وإن تكن درجة مهمة)، ومن ثم فهي تفتقر إلى المرونة".
وإذاً فحينما كان التصنيع لا يزال حاكماً في الولايات المتحدة ظهر معدل الذكاء بوصفه وسيلة قياس للنتاجات التعليمية، لكن مع انطلاق اقتصاد المعلومات في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وازدهار عمال المعرفة، ازدهر أيضاً حديث معدل الذكاء فكان ذلك في البداية من خلال كتاب "منحنى الجرس" السيئ السمعة لتشارلز موراي وريتشارد هرنشتين، الذي أشار إلى وجود فجوات مستعصية وبعيدة المدى في معدلات الذكاء بين الجماعات العرقية المختلفة، ثم راج الحديث ثانياً من خلال برامج البحث عن الموهوبين والمتفوقين في الولايات المتحدة التي مضت تبحث عن الأولاد وتنتقيهم من المدارس العامة لتضعهم في برامج صيفية للمتفوقين.
يكتب سلوبوديان أن كيرتس يارفين كان من نتاجات هذه البرامج. ويارفين هذا مهندس برمجيات ومنظر سياسي هاوٍ، كثيراً ما يرد ذكره إيجاباً في خطب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. يشير سلوبوديان إلى أن يارفين بدأ في أواخر العقد الأول من القرن الحالي، ومن خلال وصفه لما بات يعرف بالتنوير المعتم أو "الرجعية الجديدة"، يقول إن "اختبارات معدل الذكاء يمكن أن تستعمل لسحب السلطة التصويتية من الناخبين في جنوب أفريقيا ما بعد نظام الفصل العنصري".
ويشير سلوبوديان في مقاله إلى تحالف نشأ أخيراً بين ما يسميه "اليمين التكنولوجي" والحزب الحاكم في العاصمة واشنطن، وهو تحالف يقوم على أن الذكاء فطري، وأنه لا سبيل إلى التدخل لتحسينه من خلال التعليم مثلاً، لـ"يقربنا ذلك مما دعا إليه موراي وهرنشتين في (منحنى الجرس) وأطلقا عليه (التعايش مع عدم المساواة)".
قد يكون هذا كافياً لتبرير حضور "معدل الذكاء" في عنوان الكتاب ومتنه نفسه، ولكنه إضافة إلى ذلك قد يفسر سبب حرص إيلون ماسك من خلال ترمب، أو دونالد ترمب من خلال ماسك، أو قوة كبيرة من خلال الرجلين على هدم مؤسسة التعليم الأميركية نفسها، "فهذه المؤسسة تتعرض الآن لعملية تفكيك على يد إيلون ماسك من خلال (إدارة كفاءة الحكم)"، بحسب ما يكتب سلوبوديان.
قد يكون هذا كافياً لتبرير حضور "معدل الذكاء" في عنوان الكتاب ومتنه نفسه، ولكنه إضافة إلى ذلك قد يفسر سبب حرص إيلون ماسك من خلال ترمب، أو دونالد ترمب من خلال ماسك، أو قوة كبيرة من خلال الرجلين على هدم مؤسسة التعليم الأميركية نفسها، "فهذه المؤسسة تتعرض الآن لعملية تفكيك على يد إيلون ماسك من خلال (إدارة كفاءة الحكم)"، بحسب ما يكتب سلوبوديان.
قد يسهل على قارئ هذا الكتاب أن يقصر "أوغاد هايك" على روثبارد وبريميلوف وموراي وهيرنشتاين وغيرهم ممن يرصدهم سلوبوديان في ثنايا كتابه، لكن قد يحسن بالقارئ أيضاً أن يتعقب الأفكار التي ينادي بها هؤلاء حيثما تتردد، فهي تتردد سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها على ألسن كثير ممن يستحقون وصف هذا الكتاب لهم.