بغداد ـ العالم
لم يكن التاسع من يناير لعام 2026 يوماً عادياً في المشهد الثقافي لمدينة البصرة، بل تحول إلى محطة فارقة كشفت عن عمق الانقسام المجتمعي والإداري في "ثغر العراق الباسم". فبينما كان الآلاف من محبي الفنانة أصيل هميم ينتظرون إطلالتها على خشبة المسرح، جاء إعلان الاعتذار والإلغاء ليفتح الباب أمام نقاش واسع تجاوز حدود الفن ليصل إلى صراع الهوية والسيادة والقرار الإداري.
وبررت الفنانة أصيل هميم إلغاء الحفل رسمياً عبر منصاتها في التواصل الاجتماعي بوجود "خلل تنظيمي وسوء التزام من قبل المتعهد ببنود العقد".
وأكدت هميم في خطابها لجمهورها أنها بذلت جهوداً استثنائية وأصرت حتى اللحظة الأخيرة على إقامة الحفل تقديراً لمحبتهم، إلا أن الظروف القاهرة حالت دون ذلك.
لكن هذا السبب اللوجستي كان يخفي خلفه تضارباً إدارياً حكومياً؛ ففي يوم 8 يناير 2026، أي قبل موعد الحفل بـ 24 ساعة، أصدرت وزارة الشباب والرياضة كتاباً رسمياً يقضي بمنع إقامة الفعاليات الفنية والغنائية داخل المنشآت التابعة لها، بما في ذلك "ملعب جذع النخلة" الذي كان من المفترض أن يحتضن الحدث. هذا القرار جاء مناقضاً تماماً لتصريحات محافظ البصرة، أسعد العيداني، الذي أكد قبلها بيوم واحد ترحيب المدينة بالفعاليات الفنية على منشآتها الرياضية، مما كشف عن فجوة في التنسيق بين السلطات المحلية والمركزية.
شكل العامل الديني المحرك الأقوى لعملية الإلغاء؛ حيث واجه الحفل معارضة شرسة من رجال دين وجهات محافظة في البصرة. تزعم هذا الحراك رعد الباهلي (مدير مكتب المرشد الإيراني في البصرة)، الذي قاد خطاباً يعتبر الحفل "خدشاً للحياء العام" وتحدياً لقيم المدينة ومبادئها الإسلامية.
ولم يتوقف الأمر عند الخطاب الورقي، بل انتقل إلى الشارع عبر تظاهرات غاضبة وتهديدات صريحة باستخدام "القوة" لمنع إقامة ما وصفوه بـ "المنكر". هذا التصعيد الميداني خلق حالة من الذعر لدى المنظمين والمواطنين، ووضع الأجهزة الأمنية في موقف حرج بين حماية الحريات العامة وبين الحفاظ على الأمن ومنع الاحتكاك مع الجماعات الغاضبة.
شهدت البصرة انقساماً حاداً؛ ففي مقابل الجبهة الرافضة، برزت جبهة مدافعة ضمت ناشطين مدنيين، ومثقفين، ونقابة الفنانين العراقيين، الذين اعتبروا إلغاء الحفل تراجعاً عن المكتسبات المدنية وحقاً مشروعاً للترفيه والثقافة. دافع هؤلاء عن كون البصرة مدينة للفن والسياب، ولا يمكن اختزال هويتها في لون واحد.
في خضم هذا الصراع، حاول الملحن كريم هميم (والد الفنانة) القيام بدور الوسيط والمهدئ، حيث صرح بأن ابنته تقدم "فناً محتشماً" يراعي الأعراف والتقاليد، محاولاً طمأنة الأوساط المحافظة بأن الحفل لن يخرج عن حدود اللياقة الاجتماعية، إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بجدار الرفض القاطع من الجهات التي رأت في مجرد إقامة حفل غنائي "كسراً لثوابت المدينة".
إن إلغاء حفل أصيل هميم في مطلع عام 2026 لم يكن مجرد فشل لمتعهد أو اعتذار فنانة، بل كان انعكاساً لواقع سياسي ومجتمعي معقد يسود البصرة. تبرز النتائج التالية من هذه الأزمة:
ـ هشاشة التنسيق الإداري: التضارب بين وزارة الشباب والرياضة ومحافظة البصرة أضعف هيبة القرار الحكومي.