ميثم الخزرجي .... الكتابة خارج تاريخ السرد
29-تموز-2025

رعد كريم عزيز
تتوافر في القصة الاولى للقاص ميثم الخزرجي من مجموعته الاولى ( بريد الالهة)مغامرة اللغة ,والكشف عن التداخل في الشخصيات الشعبية ولكن النص يرقى الى فتح مجاهيل السرد ,فيما يسير السرد في قصتة الاولى من مجموعته الثانية( النزوح نحو الممكن)بتمهل ,وبلغة وتوصيل ياخذ من السير وفق سياق بسيط حيث يتبع السرد الحكاية وفق كتابة السيناريو الذي يشير ولا يفعل شخصيات القصة,حيث تنتمي القصة بلغتها وحكايتها الواضحة الواقعية ,ونهايته شبه السعيدة والحلم بالامل,بنسخة تنتمي الى القص القديم في القصة العراقية ,بحيث تبدو القصة وكأنها خارج سياق تطور القصة العراقية,وكعادته في تسمية الاماكن فانه ذكر ان البطل قادم من بغداد ,الى بيئة ريفية ومدرسة طينية دون تسمية مدينة بعينها.
والحوار في قصصه يسهم في الصعود او الترجمة من اللغة المحكية الى الفصحى بطبقة واحدة لجميع الشخصيات ,الطالب والفراش والاستاذ حيث يرسل الطالب مع اللوحة التي رسمها رسالة لا تشبه واقعه,او مستوى تعليمه(استاذي الحالم هذه هي استجابتي لك وحلمي برسم لوحة بعنوان"حلم وطن"ربما لم اكن على قدر من الشجاعة ,وانا في الدرس لانشر شجاعتي باناملي المتواضعة)ص 28 قصة "جمال مضمر"اذا علمنا ان الطالب في الصف الثاني متوسط في الريف,ان الحرص الزائد على الكتابة بلغة تراثية تمتح من الكتب القديمة ليس مثلبة على السرد,ولكنها حين تتسرب الى ابطال القصة دون تمييز فانها تصبح ثقيلة على مسار القصة التي تبغي اقناع القارئ بحقيقة وجود شخصيات اختارها القاص لتكون مؤثرة في حكايته.
القصة الثانية(الغرفة) من مجموعته الاولى(بريد الالهة) اللغة في البداية خارج السرد لمكان القصة حيث تشتغل اللغة لذاتها فقط وتترك الشخصية التي تحتاج الى لغة تحيط بوجودها داخل المكان,( العصافير التي توزعت بصورة مبعثرة....احتفظت لنفسها قلقا مهولا) ص 21
قصة "اسئلة محرمة"خير مثال على الطريقة السردية التي يمتثل لشكلها القاص ميثم الخزرجي ,من ناحية ميولها نحو كتابة مخطط لقصة تتكنفها اليافطات الاعلانية التي تحمل بوح ابطال القصة ,حيث تحتاج القصة الى الاندماج بين الشخصية والمكان والزمان,لاننا نتعرف عليها من خلال الحوار والاعلان عن فلسفتها في الوجود الانساني ,حيث تبقى القصة بحاجة الى حبكة السرد وتعشيق الشخصيات مع المخطط العام للحكاية. ثمة نزوع يكتنف طريقة الكتابة لدى القاص ميثم الخزرجي ,يتمثل برسم حكاية كاملة تأخذ من طريقة المذكرات الشخصية,ويضاف لها وضوح القصد للمبتغى الفكري للقصة,الا انه يجهز عليها بالوضوح والبساطة مما يجعلها تنتمي الى بدايات السرد الواقعي العراقي منذ بواكير القصة في بدايات القرن العشرين,اي انه لايمر في المختبر السردي القصصي العراقي ومغامراته الكتابية ,التي تجلت في ستينات القرن الماضي وظهور اسماء عديدة بتجارب متميزة ,وهذه الملاحظة لا تدعوا الى ان يقلد من سبقوه ,بل الى اتخاذ تجربة خاصة ,بلغة تجعل من السرد باهرا ولامعا ,لان اللغة لوحدها لا تصعد بالقصة الى مصاف الابداع المتميز المطلوب ,مع انه يملك ادوات الشد في تضاعيف الكثير من قصصه وهي تنحو نحو الحوار الفلسفي والتفكر بالوجود.
في قصته( الدائرة القصية)تتداخل المصائر وتشتبك ,بين الطبيبة التي تبوح بمعاناتها من الوحدة واتخاذ الكلب رفيقا وانيسا بدلا عن الحبيب الغائب ,وبين المريضة التي وجدت في مشكلتها ومعاناتها وهي تعيش الوحدة الاختيارية ,وموقف البطلة من الكنيسة او بالاحرى من اقحام القس تعاليمه بدعوتها الى الى الكنيسة والتي تراها غير مجدية في ايجاد حلول لوضعها النفسي,ويحاول القاص ان يصعد من دراما السرد بالاشتغال على الناحية الفلسفية والتفكير بمصير الانسان ومواجهته للاعاصير والقلق الذين يشغلان الانسان المتوحد وكأنه عمل مترجم او كتابة عن تجربة عاشها القاص في مكان غير العراق.
وتتطور اللغة عند القاص ميثم الخزرجي في مجموعته القصصية الثالثة الصادرة عام 2024 بتخلصها من الزوائد الوصفية المقحمة على السرد في مجموعته الاولى بريد الالهة والثانية النزوح نحو الممكن مما يجعلها شاهدة على النضوج الادائي لدى القاص عبر المران وزيادة الخبرة.
الرسام وازمته النفسية- دائما ازمة انسان متوحد –خارج دائرة المكان
الماثل في الفراغ ..نوزاد متي ...جامعة كاوين وكانها تحريف لجامعة كوين البريطانية ..خلال قراءة القصة يصل بنا التصعيد الدرامي الى ترقب حالة جبران الرسام وننتظر ربط الحدث الواقعي مع التاويل العام لهدف القاص في سرد يراد له ان يشع باكثر من تاويل مدعوما بلغة ذات طابع فلسفي يسأل عن ماهية الوجود وكينونة الانسان المعاصر ,وهذا الشد ,يدفعنا الى مدى تحقق الدافع الفكري المدعوم فنيا من خلال اللغة السردية الخاصة بالقاص ميثم الخزرجي...سارين ونيفرو" يتعلق البطل بناس غائبين في الفضاء والشخصيات الثلاث في القصة الاولى والثانية يتشابهون في التعلق بغياب احدهم ,والانشداد الى المجهول وترك الواقع للاخرين ,غير مكترثين بما تؤول الامور او ماذا يحدث امامهم ,لقد جعلهم السرد المتلاحق لمتابعة خطواتهم وتحولاتهم الى مايشبه السائر في نومه,ويؤثث القاص ذلك بالاسئلة المتلاحقة عن كينونة وجودهم ورفضهم للاخر الذي يسير بقربهم ,وهم ينشدون اللقاء بمن غابوا ,وتتازر في المجموعة منظومة القصد من العنوان – متنزه الغائبين- الى الاهداء –الى انسان هذا العالم وتداعيات اغترابه - ومع الحيوات المسرودة داخل ثنايا النصوص القصصية التي تسلط الضوء على اغتراب الشخصيات وتشبثها بالغائبين , وفي القصتين تشابه الاتصال بين الطبيب والمريض ,حتى يصل السرد الى قمة التطابق بين الشخصيتين.
احسبها لوجه مبتسم احسبها زائدة ص45 نوزاد تتلبسه اسئلة حميد الجبران وهذه التحويلة في السرد تجعل القارئ يعيد حسابات انغماسه في البحث عن نهاية تلائم متابعته للقصة.(هل يسمع اصواتهم بالفعل؟وهل هذه حقيقة ايامنا القادمة؟بان نحيا عن طريق الصوت؟)هكذا يستلم الطبيب نوزاد هواجس المريض جبران وتتلبسه الاسئلة.وان الحقائق العلمية المفترضة كي تحوز اقناعا وافيا بسبب طريقة السرد التي تتبع طريقا مفروشا باسئلة الانسان ازاء محيطه وان كانت بلا اجوبة حاليا,وهذه واحدة من تعلق الانسان بوجوده والاستمرار بالبحث واستخدمها القاص هنا ببراعة.وثمة تبادل ادوار بين الراوي العليم وبين البطل دكتور نوزاد الذي اخذ زمام المبادرة واصبح السرد بضمير المتكلم. تفور في قصصه اسئلة تساعد السرد على الاستمرار وخاصة وسط القصة وهو يرسم شخصياته ويقاطع تحركاتهم الا ان تسليم الشخصية الرئيسة الى الشخصية الاخرى يدخل القارئ في متاهة البحث عن هيكل جديد للقصة ,ان ثمة اشتباكا قويا بين رسم الشخصيات يحيل القصة الى مساحة فيها اكثر من مسار واكثر من خيط لتتبع مصائر الشخصيات.
اغلب اجواء القصص غربية وفي واقع غير عراقي وكانها تنتمي الى عالم الخيال العلميالقصة الاولى في مستشفى وعالم غربي اسماه على ساحل بحر المانجن والثانية في مستشفى غربي كذلك والثالثة تبدأ باسم بطلها متريانو.الرابعة في الغرب كذلك قصة وجهة الطير في مدينة كامبو وكذلك الخامسة اللائذون بالظل .
ماعدا قصة متنزه الغائبين التي تحمل اسم المجموعة فهي قصة نجفية بامتياز فيها اجواء مدينة النجف ومقبرتها. في "حجرة المرايا" نجد متريانو/ وغراند /ابنت متريانو جوتفريت وامها نافيكا بالكانسر الطبيب براند مدرسة آميلانولكن القصة لا تتداخل فيها ثيمة الشرق والغرب ,والغربة التي تلقي بظلالها على الشخصية الشرقية حين تعيش في المنفى ,ولكنها تجربة غربية كاملة مستقلة وكأن كاتبا غريبا يسرد علينا تجارب من واقع اخر مغاير ,للواقع الذي يعيش فيه الكاتب.وان دوامة الانفصام ومحاولة العودة الى الواقع تمثل اتجاها قصصيا يتكرر عند القاص في قصصه جميعا ماعدا قصة متنزه الغائبين سيما في المكان والعادات وحتى الاديان,ان هذا الاتجاه الفكري الحسي الذي يعتني بالنفس البشرية ودواخلها والتمعن بها كثيرا لحد التيه والاغتراب تصلح لان تكون تجارب شخصية بحتة معاشة بشكل واقعي تسجيلي,حتى يتجنب القاص التكرار والوقوع في رصد الهواجس المتشابهة في قصصه. ليس ثمة تكنيكا مختلفا في طريقة السرد بل هناك حياة معاشة لشخصيات مضطربة,وكانها بحوث نفسية خاصة ان القاص يتقن تفاصيلها العلمية متسلحا بالخيال الذي ابعد سرده عن الواقع وصناعة واقع اخر فني ,ويعود السبب في ذلك الى طبيعة التعامل مع اللغة,لان اللغة هنا تتبع الاحساس النفسي وكانه مدونة طبيب عن مريضه ,فهنا اللغة تصف بحياد تام ,يتصاعد احيانا الى تشكيل اسئلة يلاحقها القارئ ,ولكنها تبقى بلا حلول, لاننا تعرفنا على وحدة في القصة الاولى ووحدة المرايا في الثانية .
"متنزة الغائبين" القصة الوحيدة التي تقع احداث سردها في البيئة العراقية وهي تبدأ كذلك بالاشارة الى المرض النفسي (لم يكن شانا عابرا ان يعدوه من المصابين بحمى النفس واضطرابها) ص 115 فهي كحالها من القصص التالية تخرج احداثها من غرف المستشفى او العيادات النفسية ,وهو الفضاء الذي تسبح فيه شخصيات القاص الخزرجي المأزومة والتي تشعر بالانفصام رغم وعيها العالي بحالتها الا انها تفقد زمام الامور في نهاية القصة ,لذا فان الحكايات تسير من بداية الشعور بالاضطراب الى حافة الانهيار ,فتغدو حيوات كتبها التتبع الصحي النفسي الخارج من ملفات الاطباء والاصدقاء العارفين والمتعلمين ,فهم اما مساعدوا طبيب او موظف في متحف الفلسفة.
وبالرجوع الى قصة متنزه الغائبين ,والتي تحملت وزر عنوان المجموعة رغم انها لم تكن مفتتح القاص او نهاية الكتاب,فانها تمثل تطورا واكتمالا واضحا في اعلاء قيمة السرد الى مناجاة بروح صوفية ,جل اسئلتها تنحو الى منطقة مازال الانسان يبحث عن اجوبة لها ,تخص ثيمة الموت والتفكر به,والشخص الغريب يريد قلب المعادلة لينقل الموسيقى الى المقبرة لانه يرى الداخلين اليها شواهد قبور,فيما يرى الدفان سباهي العظم ان الامرجديد ويعامله بريبة,ولولا بعض المقاطع السردية التي تخرج عن جادة السرد بابتعادها عن رسم الشخصية والانشغال بالمنحى الفكري للكاتب الذي يتماهي مع افكار شخصياته بصورة واضحة دون غطاء فني يكفل لها تغطية سردية مقنعة لكانت القصة واحدة من القصص التي تمثل اكتمال ادوات القاص ,دون تغريب مفتعل.
وفي هذه القصة "متنزه الغائبين" ,تغيب تسمية المكان ,رغم ان القارئ العراقي يذهب بذاكرته الى مقبرة النجف,او احدى مقابر المدن العراقية الكثيرة.
وفي قصة "اللائذون في الظل"(جاهدسليمانكثيراًبأنيقللمنالقدرالذيلازمه،كانينظرإلىالآخرالذيلميكنبمقدورهإسعافهبكلمةتعيدلهثباتهفيهذه الحربالنفسيةنظرةالعطفالمشبوبةبالترقب،يتابعهموكأنهماستفهاماتمعلقةتمشيعلىقدموساق)ص 163 الاشارة الى المرض النفسي للبطل يجعلها مجموعة قصصية تنتمي الى العالم الخاص النفسي وعقده وامراضه ومشاكله ,انها اشبه بمذكرات طبيب نفسي ,يحمل ثقافة ووعيا ,وجانبا انسانيا يتابع دواخل النفس البشرية.
ان الانشغال باللغة واغفال الفعل الدرامي وتحرك الشخصية داخل الحيز يحيل السرد ,من الخارج الزاخر بالمكان الى الداخل المحشو باللغة ,وهذه المهمة تاريخيا اشتغل عليها دستوفسكي,دون اغفال الواقع صوريا وكذلك كافكا الذي صنع عوالم متخيلة داخل المكان نفسه,حتى انك تعبر من مكان الى اخر بدون حيطان عازلة. بتقديري ان القاص ميثم الخزرجي يتحاشى ذكر مسميات الامكنة بوضوح ,اذا لم نقل يخشى ذلك ,سيما في قصصه التي نشرها في مجموعتية السابقتين,لذا لجأ الى العالم الاخر الافتراضي القريب من القصص المترجمة. ان ذكر هذه الملاحظات لا يعفينا من ابداء الاعجاب بتطور الادوات في كتابة الخزجي وهو ينتقل من مجموعة قصصية الى اخرى ,ووجود مساحات كتابية كثيرة تتوافر فيها عوامل الشد والاصغاء الى السرد مما جعل مجموعته الاخيرة مختلفة تماما عن المجاميع الاولية فنيا.

تحرك نيابي لإقرار "الدخول الشامل"
7-أيار-2026
قاليباف: حصار واشنطن الاقتصادي يهدف لتفكيك لتفكيك إيران من الداخل
7-أيار-2026
وزير التخطيط: العراق يقترب من «الهبة الديموغرافية»
7-أيار-2026
أكثر من 40 مليون برميل من نفط العراق عالقة غرب هرمز
7-أيار-2026
صعود الزيدي إلى رئاسة الوزراء: تسوية سياسية أم إعادة تدوير للنفوذ بين واشنطن وطهران؟
7-أيار-2026
«كابينة الزيدي» تدخل نادي المغانم: «مناصب ترضية» وحراك لتمرير كابينة الـ 14 وزيراً قبل موسم الحج
7-أيار-2026
حصاد وفير ومخاوف متصاعدة: هل تنجح الحكومة في تسويق الحنطة وصرف مستحقات الفلاحين؟
7-أيار-2026
حضور فاعل لشخصيات ثقافية مرموقة في أروقة الدار العراقية للازياء
7-أيار-2026
مخيم الجدعة يختبر قدرة العراق على إنقاذ جيل نشأ في العزلة
7-أيار-2026
سلة دجلة: الموسم الحالي استثنائي وقد يشهد أخطاءً قابلة للتصحيح
7-أيار-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech