بغداد – العالم
كشف مرصد إيكو عراق في تقريره السنوي حول متابعة الصرفيات الحكومية، أن وزارة المالية العراقية جاءت في صدارة الوزارات الأكثر إنفاقاً خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، مسجلة مستويات صرف قياسية بلغت أكثر من 16.2 تريليون دينار. ويؤشر هذا الرقم، وفق التقرير، إلى استمرار اعتمادية الجهاز الحكومي على النفقات التشغيلية العالية، ولا سيما تلك المتعلقة بالرواتب والمخصصات والالتزامات الإدارية.
وأوضح المرصد أن "ارتفاع الإنفاق الحكومي لا يقتصر على الرواتب والمخصصات كما يعتقد البعض"، مبيناً أن الوزارات استنزفت مبالغ كبيرة في بنود أخرى مثل شراء المستلزمات السلعية والخدمية، الإيفادات، متطلبات التشغيل، وعقود الخدمات.
ووفقاً لبيانات المرصد، بلغ مجموع الصرفيات التشغيلية لوزارات الدولة نحو 58 تريليون دينار حتى نهاية آب 2025، وهو رقم يعكس حجم الالتزامات المالية التي تتحملها خزينة الدولة في ظل عجز متفاقم بالموازنة الاتحادية.
وبحسب ترتيب الوزارات الأعلى إنفاقاً، جاءت وزارة المالية في المرتبة الأولى بفارق كبير عن بقية الوزارات، تليها وزارة الداخلية بصرفيات تجاوزت 8.8 تريليون دينار، وهو رقم يرتبط أساساً بكثافة التشكيلات الأمنية وتعدد بنود التجهيز والتشغيل.
أما وزارة التربية فجاءت ثالثةً بنفقات بلغت 7.8 تريليون دينار، نتيجة حجم الملاكات التربوية الضخم على مستوى العراق، إلى جانب المصاريف المتعلقة بالإدارة، الامتحانات، وطباعة المناهج الدراسية.
وسجلت وزارة الدفاع إنفاقاً قدره 5.56 تريليون دينار، في حين جاءت وزارة الصحة في المرتبة الخامسة بصرفيات بلغت 4.8 تريليون دينار، وهي نفقات مرتبطة عادةً بتشغيل المستشفيات، شراء الأدوية، عقود الإطعام والتنظيف، وبرامج الدعم الصحي.
كذلك حلت وزارات العمل، التجارة، والكهرباء ضمن المراتب الأولى، حيث بلغ إنفاق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أكثر من 4.2 تريليون دينار، فيما صرفت وزارة التجارة 3.4 تريليون دينار ضمن برنامج البطاقة التموينية، وبلغت ميزانية التشغيل في وزارة الكهرباء 3.36 تريليون دينار.
وسجلت وزارة التعليم العالي إنفاقاً بلغ 2 تريليون دينار، فيما جاءت وزارة العدل بحدود 580 مليار دينار، والصناعة والمعادن بحوالي 559 مليار دينار.
أما الوزارات المرتبطة بالمشاريع الخدمية والبنى التحتية — مثل الإعمار والإسكان والبلديات، والموارد المائية — فقد سجلت مستويات متقاربة بلغت 190 مليار دينار و188 مليار دينار على التوالي، في حين أن الإنفاق في وزارتي الزراعة والخارجية لم يتجاوز 125 مليار دينار لكل منهما.
وعلى مستوى الوزارات الأقل إنفاقاً، جاءت وزارة البيئة بصرفيات بلغت 30.2 مليار دينار فقط، تليها وزارة الاتصالات التي سجّلت أدنى مستوى إنفاق حكومي بقيمة 7 مليارات دينار، وهو ما يعكس محدودية نشاط الوزارة في ظل انحسار مشاريعها الاستثمارية وعدم توسعها في مشاريع البنى التحتية الرقمية خلال الفترة الحالية.
وحذر مرصد إيكو عراق من استمرار ما وصفه بـ"الصرف غير الضروري خارج إطار الرواتب"، مشدداً على أن توسّع الوزارات في النفقات التشغيلية "يعمّق اختلال الموازنة، ويقلّص فرص الاستثمار الحكومي في قطاعات إنتاجية يحتاجها الاقتصاد العراقي".
وأكد التقرير أن وزارة المالية تواجه أكبر عبء في الموازنة الاتحادية، لا بسبب حجم تخصيصاتها فحسب، بل بفعل توسع الوزارات الأخرى في المصاريف التشغيلية التي لا ترافقها عوائد إنتاجية مقابلة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الأرقام تكشف بوضوح هشاشة الهيكلة المالية للدولة، إذ ما زالت الحكومة تعتمد بنسبة تتجاوز 70% من الموازنة على باب الرواتب والنفقات التشغيلية، فيما يذهب أقل من 25% إلى الاستثمار والمشاريع الإنتاجية.
ويشير المختصون إلى أن معالجة العجز لن تتم إلا عبر تقليص الهدر الإداري، وإعادة هيكلة رواتب ومخصصات الدرجات العليا، إلى جانب مراجعة العقود الحكومية، ودعم القطاع الخاص لتوليد فرص عمل خارج إطار الدولة.
اخيرا، يعكس تقرير إيكو عراق حقيقة ثابتة: الحكومة العراقية ما زالت تعمل وفق نموذج اقتصادي شديد الاعتمادية على النفقات التشغيلية، دون تحوّل فعلي نحو الإنفاق الاستثماري المنتج. وبينما تبقى وزارة المالية الأعلى إنفاقاً، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الدولة على كبح المصاريف الثانوية وإعادة توجيه مواردها نحو التنمية المستدامة.