Search

الجامعات والكليات غير الحكومية

250

م . د هادي نهر

ـ الحلقة السادسة ـ

مسيرة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق مسيرة بناء وإنجاز وايمان راسخ بالله وبالوطن وبالإنسان. وقد تطورت ونمت وتزايدت عبر عقود من الزمن. وكانت مؤسسات التعليم العالي من جامعات وكليات ومراكز بحوث ومعاهد وأقسام بما تضمّه من شباب هي الثورة الحقيقية، والذهب الإنساني الذي رفد الوطن بثروة العلم والمعرفة والفن حيث تمّ ربط التنمية المستخدمة بالتطوير العلمي والتقني والتنمية المعرفية، والمستجدات والمتغيرات العالمية القائمة على القدرة التنافسية والارتقاء بمستويات الجودة والانفتاح والتعامل مع التوجهات الجديدة في التعليم العالي، وإعداده للانتقال في مكوناته وبرامجه من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المعرفي.

ومع تزايد الوعي الاجتماعي في ضرورة تعليم الأبناء تعليما عاليا لم تعد مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي قادرة على الاستجابة للطلب الاجتماعي المتزايد لاستيعاب أعداد الطلبة الراغبين في اكمال دراساتهم الجامعية ممّا شكلّ ضغطا هائلا على وزارة التعليم العالي في عالم أصبحت فيه ثورة التكنولوجيا وثورة الاتصالات بحدّ ذاتها جامعات افتراضية مفتوحة.

ولأنّ المجتمع العراقي وعلى الرغم من كثرة الحروب، والمتاهات، والأنفاق المظلمة التي دفعه اليها الطغاة والمفسدون من حكامه، ومع الدماء التي نزفت، وسنوات الحصار والفقر التي فرضت عليه ظل متمسكا بالحاجة الى قيمة العلم والتعليم والمعرفة، وظلّ الآباء العراقيون حريصين على أن يتمّ ابناؤهم تعليمهم العالي ويحصلوا على أرفع الشهادات، ومع تزايد أعداد الراغبين في الدراسة الجامعية، ومع أنّ وزارة التعليم العالي ما فتئت تفتح الجامعات والكليات في كلّ المحافظات العراقية، إلاّ أن هذه الجامعات والكليات قد عجزت عن استيعاب كلّ الراغبين في التحصيل الجامعي، ما حدا بالوزارة الى ترخيص الجامعات والكليات الاهلية واعتمادها لتكون شريكا حقيقيا، ورديفا ناهضاً للتعليم العالي الحكومي. إنّ توسع الاستثمار في مجال التعليم العالي على مدى القرون الثلاثة الماضية، قد أدّى الى ظهور العديد من الجامعات والكليات الأهلية التي تباينت في توجهاتها العلمية والمعرفية والدينية، وتباينت أيضا في بناها التحتية وتطلعاتها المستقبلية.

وليس من شك في أن الجامعات والكليات الخاصة قد استقبلت آلاف الطلبة الراغبين في التحصيل الجامعي وجذبتهم الى قاعات الدرس والتحصيل وزودتهم بالمعرفة والخبرة، بدلا من أن تجذبهم مهاوي الحياة الى المجهول. وأنّ هذه الجامعات والكليات قد رفعت عن كاهل وزارة التعليم العالي كثيرا من الأعباء الثقيلة. ورفعت في الوقت نفسه عن الدولة أعباء مالية واجتماعية واقتصادية أكثر باستقطابها الكثير من حملة الشهادات العلمية العليا ممّن لم يجدوا فرصا للعمل في الجامعات الحكومية، وهيأت لكثير من الناس وظائف ما كان لهم الحصول عليها في ظلّ تفشي البطالة.

أقول على الرغم ممّا قامت به الجامعات والكليات من خدمات جليلة لأبناء الوطن، لكنّ هناك مواطن سلبية، ومظاهر خلل واضحة في أكثر من جامعة وكلية خاصة وعلى تفاوت في ذلك ولذلك أسبابه المشخصة التي من بينها نذكر الآتي:

أولاً:

تحول بعض الجامعات والكليات الأهلية الى جامعات وكليات تجارية، ممّا أثر على جودة التعليم وأهلية الخريجين، ودور الجامعة التنويري في المجتمع.

ثانياً:

حدوث زيادة كمية لا نوعية في الكليات والجامعات الأهلية بصورة متسارعة وفي غفلة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وفي غياب من التعليمات والأسس الواضحة والنهائية للاعتماد والترخيص، ما حدا بمجلس النواب العراقي الى إقرار قانون التعليم الأهلي الذي يمكن لو طبّق وبإشراف ومراقبة وزارة التعليم العالي أن يصلح كثيرا من واقع الجامعات والكليات الأهلية. وهذا يدعو الوزارة الى اصدار التعليمات والأنظمة الملزمة لضبط عملية ترخيص الجامعات والكليات الأهلية، وضبط الجودة لمخرجات التعليم العالي في هذه الجامعات.

ثالثاً:

تواضع البنى التحتية لأكثر الجامعات والكليات الأهلية ممّا يدعو الى العمل الجدّي من القائمين على هذه الجامعات والكليات الى تهيئة القاعات، والمكتبات، والمخابر، والنوادي، الساحات التي لا بد من توافرها في أيّ مؤسسة علمية خطيرة كالجامعات أو الكليات.

رابعاً:

عدم استكمال بعض هذه الجامعات والكليات مجالسها العلمية المختلفة، وعدم استكمالها مجالس الأمناء فيها، ما عطل ويعطل كثيرا من حركتها نحو التطور والارتقاء، وادّوا (امتحان الكفاءة) بامتياز، ولا يزالون معلقين ومعطلين في دوائر   وزارة التعليم العالي التي عليها واجب حل مشكلة هؤلاء الطلبة وبأسرع وقت ممكن. ومع التسليم بأن من الصعب في ظل الوضع الحالي لمؤسسات التعليم العالي الحكومية وغير الحكومية ان نؤسس لتطوير شامل وباستراتيجيات واضحة قبل التفكير بمعالجة معوقات التطوير والتحديث من حيث تحسين الواقع البنيوي والمالي, والاداري للجامعات واعطائها مزيدا من الاستقلالية، بما يعمل على تطوير النظام الجامعي (system university) برمته, لا بد من العمل بجد ومثابرة على تحقيق الاتي:

أولا:

ضرورة تطبيق نظام التعليم الجامعي الاهلي بإشراف حكيم ودائم من وزارة التعليم العالي، وذلك بتفعيل القوانين والقرارات الخاصة بهذا التعليم، واصدار المزيد منها وبالتنسيق مع الجامعات والكليات الاهلية.

ثانيا:

ضرورة حل المشكلات التي تعطل مسيرة الجامعات والكليات الاهلية وتقلقها، واولى هذه المشكلات مجموعات الطلبة الذين انهوا دراستهم بجدارة ومن الضروري ايضا منح الجامعات والكليات الاهلية نوعا من الاستقلالية في فتح الاقسام والكليات والقبول وفي حدود مقررات وقوانين وانظمة وزارة التعليم العالي التي من واجبها ان تعلم دائما ان تطور الجامعات والكليات الاهلية مرهون بما تستقبل من الطلبة؛ اذ ان الاجور الدراسية التي يدفعها هؤلاء الطلبة هي المعين الاول والاخير للجامعات والكليات الاهلية، ومن دون ذلك لا تستطيع هذه الجامعات الاستمرار او تطوير بناها التحتية وخططها المستقبلية.

ثالثا:

التأكيد على (مبدأ التوأمة) بين الجامعات الاهلية على أساس التكافؤ لا على أساس التمايز والتفاضل، بحيث تشعر الجامعات والكلية الاهلية انها رديف للجامعات الحكومية وليست بتابع لها. او انها درجة ادنى منها؛ اذ ان هناك اكثر من جامعة اهلية قائمة على بنى تحتية وعلمية تفوق ما في بعض الجامعات الحكومية، لا سيما على مستوى المخابر والقاعات الدراسية ونوعية الاساتذة الأكفاء ذوي الخبرة والتجربة المتراكمة والفاعلة.

رابعا:

خلق روح المنافسة العلمية بين الجامعات الحكومية والاهلية من خلال فعاليات علمية وفنية واجتماعية كثيرة. ومن بينها نذكر (امتحان الرصانة العلمية) فهو احد اوجه القياس الحقيقي والصحيح لمخرجات التدريس والعطاء, وبشرط مكافأة الجامعة الاهلية العينة التي يحقق طلبتها مرتبة اعلى في نسبة النجاح بهذا الامتحان المشترك مع التأكيد على عدم تحميل الجامعات الاهلية اعباء باهظة لإجراء هذا الامتحان كما هو حاصل الان.

خامسا:

وضع استراتيجية شفافة وواضحة لتطوير عملية القبول في الجامعات الاهلية, والتوسع في اجراء امتحانات قبول في بعض التخصصات التي تتطلب مهارات ومعارف خاصة.

سادسا:

مكافأة الجامعات والكليات الاهلية بزيادة عدد الطلبة الذين يقبلون فيها، اذا ثبت للوزارة رصانة هذه الجامعة او الكلية وانضباطها، وعلو سمعتها في الوسط الاجتماعي وتفوق طلبتها في امتحانات الرصانة العلمية.

سابعا:

نقل بعض صلاحيات مجلس التعليم العالي الى مجالس الجامعات والكليات الاهلية والحكومية.

ثامنا:

تحسين المناخ المناسب للاستثمار في مجال التكنولوجيا المتقدمة، والعمل على توطينها في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، بشقيها الحكومي والاهلي وعلى قدر المساواة والتكافؤ.

تاسعا:

فسح المجال أمام الجامعات والكليات الاهلية لاستخدام الوسائل الاعلامية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، اسوة بالجامعات الحكومية. ونذكر هنا (فضائية الجامعية) التي لم تلتفت الى الجامعات الاهلية بشيء من الذكر, او الترويج, او نقل اخبارها ونشاطاتها العلمية والثقافية والادارية.

عاشرا:

إننا لا نجد ضيرا حين تلتفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بمنح الجامعات والكليات الاهلية حصة من الزمالات والمنح والهبات التي تمنح لها, وفتح المجال امام منتسبي الجامعات والكليات الاهلية للتقديم على هذه المنح لقاء مبالغ مالية محددة تقدمها الجامعات الاهلية الى وزارة التعليم العالي, علما أن هذه المنح سوف لا تمنح الا للجامعات والكليات الاهلية التي تقدم نفسها تفوقا, وانضباطا, ومخرجات رصينة.

حادي عشر:

التسهيل على الجامعات والكليات الاهلية في فتح الاقسام العلمية الجديدة، وذلك بالتخفيف من كثرة الاجراءات الادارية الروتينية العقيمة. وهي معروفة لدى معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي المحترم.

رئيس كلية مزايا الجامعة – ذي قار