Search

الكاتب ناهض الرمضاني: أعمالي لم تؤثر في مجتمعي

519

ليس لبيئة الموصل تأثير مباشر في تكويني الثقافي

 

مروان الدليمي

حتى العام 2003 لم يكن ناهض الرمضاني اسما معروفا في العراق باعتباره مؤلفا مسرحيا وكاتبا قصصيا، وإذا بالوسط الأدبي يتفاجأ بنيله الجائزة الثالثة في مسابقة الشارقة للتأليف المسرحي عن مسرحية “نديم شهريار”، وفي العام الذي يليه فاز أيضا بالجائزة الثانية عن نصه المسرحي “بروفة لسقوط بغداد”، فكان ذلك تأكيدا على أصالة موهبته وما يمتلكه من إمكانات تقنية في إطار التأليف المسرحي، وقد اتسمت نصوصه بتصديها الجريء لموضوعات تاريخية، إلاّ أنه موضَعَها ضمن مقاربة فنية بالشكل الذي أسقطها على واقع معاصر. وما يلفت الانتباه في مسيرة الرمضاني انها لم تكن تخلو من هاجس التحدي والمغامرة، سعيا منه لتجاوز محدودية الواقع وأساليبه القهرية،

ومن هنا انطلقت مغامرته في تسعينيات القرن الماضي، حيث اقدم على القيام برحلة شاقة بحثا عن حياة توفر له قدرا معقولا من الكرامة والحرية الإنسانية فتنقل ما بين عمّان وليبيا والإمارات، يدرّس اللغة العربية، وتمكن خلال فترة ابتعاده عن مدينته الموصل أن يطور أدواته واسلوبه في الكتابة، بالشكل الذي جعله يفوز بجوائز عربية مهمة ويصنع له اسما ومكانة بين المواهب الأدبية الشابة. ولمّا عاد إلى العراق بعد العام 2003 واصل مسيرته العصامية في تأكيد حضوره الإبداعي المميز، فنال شهادة الماجستير من كلية الآداب في جامعة الموصل، وكانت أطروحته عن فن المونودراما في المسرح. وخلال فترة دراسته كتب عددا من نصوص (المونودراما) أبرزها كانت مسرحية “جوف الحوت” وقد حظي هذا النص بفرص كثيرة للتقديم من قبل فرق مسرحية داخل وخارج العراق، لعل أهمها العرض الذي تم تقديمه من قبل أبرز فرقة ألمانية في إمارة لوكسمبورغ عام 2008 بعد أن تُرجِم النص إلى اللغة الألمانية، وحينها تلقى الرمضاني دعوة من إدارة الفرقة لحضور العرض، ولمّا وصل لوكسمبورغ شاهد بأم عينيه كيف احتفى الجمهور بنصه المسرحي. وفي العام 2017 أصدر عمله الروائي الأول “بائع الأمل” الذي كان قد ابتدأ في كتابته مطلع عام 1990 أيام كان ضابطا مجندا في الجيش العراقي.

وفي حوار معه في إسطنبول، حيث لجأ إليها منذ ثلاثة أعوام بعد أن سقطت مدينته الموصل تحت سلطة “داعش” في العاشر من حزيران 2014 .

* عندما تكتب عملا أدبيا أين تجد المتعة التي تبحث عنها؟

– المتعة تتحقق حينما أجد شكلا أظن أنه يتوافق مع المضمون. في تلك اللحظة أوقن أني قد أنجزت النص، في الحقيقة الخيارات أمامي لامتناهية، وكثرة الخيارات تولد القلق، وهو هاجس مشروع أتحرر منه لحظة اتخاذ القرار.

* عندما تقرأ لكتّاب آخرين على ماذا تركز في النص الإبداعي؟

– حينما اقرأ لكاتب آخر فإنني أجد نفسي لا إراديا أتقمصه وأحاول التفتيش عن خطته السريه للكتابة، وسبب اختياره لشكل دون آخر أو عبارة دون أخرى، أو محاولة تخيل التداعيات التي مرت بذهن الكاتب وولّدت لديه أحداثا وافكارا وتطورات في الحبكة، أو الشخصية الأدبية، هذا لا يحدث طبعا إلا حينما أقرأ لكاتب متمكن من صنعته، مثل لاعب شطرنج محترف وليس هاويا يترك الأمور على هواها.

* ما بين الدراما المسرحية والسَّرد القصصي والروائي، أنت تتنقل ما بين عوالم مختلفة من حيث البناء والأسلوب والأدوات، هل يشكل ذلك عاملا مساعدا لك في عملية الكتابة أم تجده يضع أمامك بعض الصعوبات؟

– أنا اكتب للمسرح وهذه هي الصفة التي أوصلتني للناس، لكنني لا أصنَّفُ نفسي كاتبا مسرحيا، أنا كاتب، كاتب فحسب، لست شاعرا على الإطلاق، لأني أعرف حدودي جيدا، فيما عدا ذلك فأنا أكتب المسرحية والرواية والقصة القصيرة وسيناريو الأفلام، بالإضافة إلى المقالات السياسية والأدبية، ولديّ كتاب نقدي، أنا أحمل أفكارا معينة ولا اجد مانعا من عرضها في أي قالب فني متاح يسمح بعرض الفكرة بالطريقة الأمثل.

* أنت تكتب بدون أن يكون لديك إصرار على أن يكون عملك منطلقا من حكاية أو حدث محلي، وهذا يبدو واضحا في مسرحية «أمادو» أو الرواية القصيرة «انيس في بلاد العجائب» وحتى لو أنك استندت إلى ما له صلة بالواقع المحلي إلا أنك تعتمد على التاريخ والميثولوجيا كما في مسرحية «بروفة لسقوط بغداد» أو «جوف الحوت» هل هذا يعني أن لديك اصرارا على أن تعتمد على السرديات الكبرى رغبة منك في مخاطبة جمهور عالمي؟

– حينما أكتب لا انطلق من أرضية محلية حصرا، اشعر بأنني حر وأن بإمكاني الانطلاق من أي منصة إنسانية عربية كانت أم غربية أو مستمدة من أي ثقافة أخرى، لحظة الانطلاق ليست في تقديري هي الأهم، بل الرسالة التي يحملها النص، في روايتي «أنيس في بلاد العجائب» هناك تناص واضح مع الرواية الشهيرة «أليس في بلاد العجائب»، لكنني قمت بتجيير الإطار الخارجي لرواية عالمية لأتمكن من حكاية رواية أخرى غاية في الخصوصية هي قصة العراق أثناء الاحتلال الأمريكي، وهي قصة شاسعة المدى لا يمكن لكاتب الإحاطة بها بشكل مباشر، لذا لجأت إلى الفانتازيا والأليغوريا ووظفتها لصالح قضيتي التي هي ببساطة محاولة ذكر ما جرى لنا وكيف ولماذا.

* من يقرأ لك ربما لا يستطيع أن يحدد جنسيتك القومية، وهذا يعود إلى أن أعمالك لا تتمحور في بيئة محلية عراقية. هل كنت تقصد أن يصل هذا الإحساس إلى القارئ؟ أم أن ذلك يعود إلى تأثرك بالأعمال المترجمة الأجنبية؟

* سؤالك المتكرر عن المحلية والبيئة العراقية يذكرني بأصدقاء من الكتاب يحشرون أسماء مناطق شعبية وأماكن في نصوصهم ويشعرون بالسعادة بعد ذلك لأنهم كما يظنون قد تغلغلوا في المحلية ليصلوا إلى العالمية. في الحقيقة أن حياتي التي عشتها في الموصل ليس فيها الكثير من الخصوصية المحلية، ولا أجد في نفسي رغبة أو قدرة على إقحام محلية مفتعلة في عالمي، أنا ابن موظفين وانحدر من الطبقة الوسطى وولدت في بيت يشبه بيت أي موظف في العراق أو مصر أو سوريا أو الجزائر، ربما لم أعش في قرية لها خصوصية، ولم أكن ابن محلة شعبية تتناقل حكاياتها الخاصة، أنا ابن مدينة تشبه كثيرا من مدن الوطن العربي وليس لبيئة مدينتي المباشرة بصمة خاصة جدا على تكويني الثقافي.

* في رواية «بائع الأمل» التي تحمل في بنيتها الفنية الشيء الكثير من السيرذاتي، اكتشفنا فيها أنك كنت تحلم مذ كان عمرك ثمانية أعوام بأن تصبح كاتبا.. اليوم وبعد أن حققت هذا الحلم وأصبحت كاتبا معروفا برصيد جيد من الأعمال الأدبية التي حقق بعضها جوائز عربية، ولك اعمال تمت ترجمتها إلى لغات أجنبية.. هل ما زلت تحلم أم أنك توقفت عن الحلم؟

– لم أصبح بعد كاتبا معروفا كما أظن، وأعمالي مقروءة على مستوى النخبة فحسب، بل جزء من النخبة، ولم تؤثر أعمالي في المجتمع الذي أنتمي إليه كما أظن، أما عن حلم الطفولة بأن أصبح كاتبا فمردّه إلى انحداري من عائلة تهتم بالثقافة وتعلي من مكانة الكتاب والمثقفين، هذا كان طبعا جزءا من سياق عاشه الوطن العربي في النصف الأول من القرن العشرين حينما لمعت اسماء مثل طه حسين والحكيم ونجيب محفوظ الخ. في العقود التي تلت ذلك تحول الإعلامي ليتسيد المشهد الثقافي، وبعد انتشار الفضائيات تشتتت الهيمنة الإعلامية أيضا، ولم يعد هناك نجوم في سماء الثقافة العربية، هناك خلل كبير وكل اسم مهما كبر هو الآن في دائرة الشبهات والاتهامات، وقد تم تحطيم كل الرموز، بل والمقولات التي كنا نؤمن بها حتى وصلنا إلى حالة مزرية وتشتت حلم الطفولة. فما قيمة حلم طفل يعيش في مجتمع بلا حلم؟

* ما بين الإطلالة الأولى على القراء بعد أن نشرت أول أعمالك الأدبية واليوم، ما الذي حصل من تغير في فهم عملية الكتابة ذاتها؟

– البدايات في الكتابة تكون عادة مليئة بمساحة شاسعة من الأحلام الوردية، حينما نكتب نصطدم مع أمرين، الأول هو أن ما يدور في الرأس ليس من السهل أن ينتقل إلى الورق ثم إلى القارئ بالسلاسة التي نتخيلها، الأمر الثاني هو وهمُنا بأن هناك من ينتظر بلهفة –إبداعاتنا- ويعد الأيام والساعات بانتظار صدور الطبعة الأولى من آخر كتاباتنا. في الحقيقة مكان ومكانة الكاتب ليست كما كنا نتخيل، وربما كان كثير من الكتاب سببا في تردي هذه المكانة.

* هل يمكن أن تفكر وتكتب في آن واحد في أكثر من مشروع؟ هل تجد أن ذلك ممكن؟

– عادة ما أقرا أكثر من كتاب معا، ثلاثة كتب غالبا في وقت واحد، أما كتابة أكثر من عمل معا فهو أمر مختلف تماما… وقد حدث ذلك معي حينما كتبت مسرحية «نديم شهريار» وأنا أعاني عسرا في تأليف بعض فصول مسرحيتي «بروفة لسقوط بغداد»، أتذكر أني كتبت «نديم شهريار» في أيام قليلة وكأنما كان هناك من يمليها عليّ، بينما استغرقت مني مسرحية «بروفة لسقوط بغداد» وقتا طويلا لإكمالها، وهناك أفكار أخرى تهاجمني وأنا منهمك في الكتابة، كأنها محاولة للهروب من معاناة الكتابة إلى معاناة الكتابة ذاتها، أحاول الآن أن أضبط الأمر وأكتب على قصاصة منفردة أي أفكار جديدة تخامرني وأنا منهمك في كتابة نص ما.