Search

الدستور العراقي ..!

150

قاسم حول

مع أن القول “الأمور تقاس بنتائجها” ولكن هذا لا ينطبق على السياسة ومصائر الشعوب والأوطان، فالأوطان وشعوبها لا ينبغي أن تكون محل إختبار، لأن أي يوم غير سليم وغير طبيعي في حياة الشعوب والأوطان إنما يسجل خسائر في الأرواح والثروات ويشطب عقوداً من  الإنجاز والتحضر في مسيرة الشعب والوطن. وهذا ما يحصل في العراق حيث يخسر العراق عقوداً من عمر البناء ويخضع لكل شروط التهديم ونتائجه بسبب دستور العربدة العراقي!

كان الدستور العراقي أحد الألغام التي زرعت بعد  تغيير النظام الدكتاتوري. دستور تعبر ديباجته عن المستوى اللغوي المتدني، وصراحة الروزخوني والبعيد عن لغة العصر، ويبني  الدستور ديباجته على إنقاض تصرفات النظام الدكتاتوري، وهذا ليس صحيحا، فالدستور ينبغي أن تصاغ ديباجته على مبدأ الدولة الديمقراطية المدنية التي تستقي مضمونها من عظمة التاريخ وجدل العلاقة بين تاريخ أول الحضارات وحضارات البلدان الديمقراطية المعاصرة!

أما الدستور العراقي فإنه كتب على مبدأ الدولة الإتحادية. لماذا الدولة الإتحادية بديلا عن الدولة الفيدرالية الديمقراطية، ولماذا يؤكد على أن لغة العراق تقوم على مبدأ اللغتين العربية والكوردية، والكورد ليست لهم لغة واحدة موحدة أولا، ويتكلمون عشرات اللهجات. وثانيا لا يجوز على الإطلاق أن يشار إلى وجود لغتين في دستور واحد، لأن هناك جوانب فنية لا يمكن إعتماد اللغتين كمرجع للمحاكم الإقليمية والدولية!

إن الدستور العراقي قد تم تفصيله على مقاسات حكم الطائفة وحكم المكونات وزيف الإنتخابات ومصادرة أصوات الشعب بطريقة إلتفافية ما يتيح لجمع اللصوص والفاسدين من الهيمنة على مقاليد البلاد ومصادرة أحلام الناس.

الدستور العراقي وديباجته لم يطرح على الشعب العراقي. كان ينبغي أن يكتب من قبل أعلى المستويات الأكاديمية والقانونية ويطرح على الشعب. ولا يحق للبرلمان إنتخاب رئيس للبلاد، فرئيس البلاد شخصية في حقيقتها شبه مقدسة لأنه رمز، وينبغي البحث في تاريخه السياسي والوطني والأخلاقي وتحصيله الأكاديمي لأنه الرمز الذي يعزف مع مشيته السلام الجمهوري .. فكم من المواصفات ينبغي أن تكون في رئيس البلاد. لذا الشعب وحده هو المخول لإنتخاب رئيس الجمهورية وليس البرلمان، وفق دستور المحاصصة الطائفية!

العراق عليه أن يرمي هذا الدستور الطائفي في المزبلة، لأنه ملغوم ومفصل على مقاسات لصوص البلاد، ويستغفل الناس بالآيات القرآنية!

إن المادة (2) في فقرتها الأولى تقول “الإسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساس للتشريع” من حق الدستور أن يحدد الإسلام هو دين الدولة الرسمي، ولكن لا يجوز أن يكون الدين مصدرأ أساسيا للتشريع. فالدين هو سمة روحية نصائحية للبشر منذ أن وجد في التاريخ، وهو لا يصلح مصدراً لدساتير وقوانين الدولة والمعاصرة والديمقراطية!

الدستور العراقي شرع كمصدر لإرتزاق الروزخونية وأتاحة الفرصة لهم لنهب ثروات البلاد وهذا ما حصل طوال أربعة عشر عاما ما بعد التغيير، حيث تجاوزت سرقات اللصوص التسعمائة مليار دولار. ولأن الدولة سميت بالإتحادية فإن القومية الكوردية تريد أن تفك الإرتباط الإتحادي وسوف ينفجر لغم الحرب الأهلية الذي زرعه دستور البلاد، لأنه لا يعبر عن دولة ضامنة لوحدة الأراضي العراقية!

ومع أن الدستور يعلن بأن الدين مصدر التشريع ولكن تشريع الرواتب والمخصصات على سبيل المثال لا الحصر يتناقض مع مبدأ العدالة ويكرس للحيف في المجتمع وهذا يتناقض وشريعة الدين الإسلامي!

إن كل مادة وكل بند وكل فصل وكل فقرة من فقرات الدستور هي ألغام إنفجرت وتنفجر في طريق الحياة العراقية. فالدستور العراقي بمجملة ليس سوى عربدة سياسية وعربدة إجتماعية وعربدة إقتصادية وعربدة ثقافية وبعد ذلك عربدة أخلاقية!

لا يمكن للدولة العراقية مهما سعت إلى ترقيع شقوق ثوبها، فإن ذلك الثوب سوف يكون شبيهاً بثوب مهرج السيرك وليس ثوباً لدولة تحترم نفسها بين بلدان وشعوب العالم!

مطلوب دستور جديد لدولة عراقية معاصرة يقره الشعب وبموجبه ينتخب رئيس البلاد بشكل مباشر من الشعب العراقي .. لذلك أكرر القول .. “الإصلاح غير ممكن” لأن الدستور نفسه دستور فاسد وقائم على مبدأ العربدة على كل المستويات.

علم ودستور ومجلس أمة .. كل عن المعنى الصحيح محرف!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا