Search

البلبل الغريد ..!

865

قاسم حول

كلمة تغريد وتغريدة ويغرد دخلت قاموس تقنية الإنترنت، فيقال مثلا، أن ترامب وفي تغريدته في صفحته على الإنترنت قد صرح كذا وكذا. وصار كل سياسي يغرد ما يشاء على صفحته. حتى ملأوا سماوات الكون بتغريد الطيور. ولكن تغريد السياسيين هو غير تغريد الطيور.!

الطيور كثيراً ما أسمعها تمر بسماء هولندا ليلا، فتغرد وهي في طريقها للبلدان الدافئة، تهاجر في فصل الشتاء هروبا من الثلوج والعواصف نحو البلدان الدافئة التي لا تغيب عنها الشمس، وهي بلدان الشرق الأوسط وبلدان الأمة العربية والأمة الإسلامية التي إشتعلت فيها الحروب ولم تعد الطيور المهاجرة تأتي لتغرد فيها!

مجلس التعاون الخليجي، لم يلتقط جيداً ما صرح به وزير خارجية قطر في أول لقاء لدول مجلس التعاون الخليجي، حين قال لهم “نحن نغرد خارج السرب”! والتغريد خارج السرب، كنا نحن شغوفون به في حياتنا دائما، وهو شكل من أشكال الخروج على صوت الكورال، إذ نريد أن يسمع العالم صوتنا أو بالأحرى تغريدنا المتميز!

حدثني صديق عن والده الذي كان شخصية مرموقة في مدينة كربلاء، إذ لا يمكن أن يمر على المدينة أحد المسؤولين من رجالات العهد الملكي، إلا وعرج على بيت والده الحاج، فينعم الضيف المسؤول بوجبة طعام شهية “وإستكان جاي بالهال” ويتمتع بالتحدث مع والده ويسمع إنطباعاته عن سياسة الدولة العراقية، ومن خلاله يعرف موقف أهل الشيعة ومزاجهم!

ويوماً زار الباشا نوري السعيد منزل الشخصية المرموقة والد صديقي، وفيما هو يشرب الشاي في ديوانيته في أحد بساتين كربلاء، سمع الباشا تغريدة بلبل ساحرة النغمة، تغريدة لم يسمع مثلها من قبل، فأندهش لهذا البلبل الكربلائي، وأبدى إعجابه بالبلبل الغريد، سيما وشكله يتمتع بجمال آخاذ وقد وضعه الحاج في قفص واسع من جريد سعف النخيل، حتى يأخذ البلبل حريته في الطيران داخل القفص السجن. والحقيقة أن البلبل لم يكن يغرد، بل كان يبكي حريته! ولذلك تأتي أنغامه رقيقة رقة البلابل ويغرد بشكل متواصل. لا الحاج ولا نوري السعيد أدركوا جمال التغريدة وأسبابها. أصحاب المكان والمكانة مثل صديقنا الحاج مثل حاتم الطائي لا يردون طلباً للضيف، فقال الحاج للباشا نوري السعيد، ساهديك واحداً من نسل هذا البلبل، وإذا لم أجد مثيله فسوف يأتيك البلبل بنفسه وبقفصه. شكره الباشا نوري السعيد وعاد إلى بغداد!

حاول الحاج أن يجد بلبلا من نسل البلبل السجين في القفص، فلم يعثر على مثيل له. وفي نفس الوقت لا يريد أن يخسر أو يفارق بلبله الغريد، فعثر على بلبل شبيه وقام بتصنيع قفص جميل له، دون أن يتأكد من تغريدة البلبل، أرسله على عنوان الباشا نوري السعيد. وبقي الباشا نوري السعيد ينتظر أن يسمع تغريدة البلبل، أياما وأسابيع ولم يسمع له صوتاً، فأتصل هاتفيا بالحاج الكربلائي وقال له مازحاً “يا حاج هذا البلبل الذي أرسلته لي طايح حظه” وهو تعبير عراقي عن الشخص غير النافع والحزب غير النافع والرئيس غير النافع والإبن غير النافع وكثيراً ما يستعمل الآباء العراقيون تعبير “طايح الحظ” على أولادهم الذين لا نفع لهم في الحياة!

تعبنا من نظام الدكتاتور وأتعبنا في حروبه المجنونة وتصرفاته الرعناء، وهجرنا معارضين وحتى بين صفوف المعارضة العراقية كنا نغرد خارج السرب، وتغريدتنا تعبر عن حزننا وبحثنا عن الحرية والتعبير عن أفكارنا في هذه الحياة الغريبة الفانية. بعض المعارضين وضعوا أيديهم باليد الإيرانية، وبعضهم وضعوا أيديهم باليد الأمريكية، وشكلت المعارضة في مراحلها الأخيرة قبل سقوط النظام، تجمعاً لا يمت للتحضر بصلة، تجمعات غريبة وشخصيات لم نكن نسمع تغريدتها من قبل. كان العراقيون ينتظرون قانون تحرير العراق الذي أقره الكونغرس الأمريكي، القانون الذي يطيح بالطاغية المجنون ويرسلوا لهم حكومة تغرد لهم مثل بلبل الحاج .. لكن الحاج بوش لم يرسل للعراقيين البلبل الغريد، بل أرسل لهم بلبلا مزيفاً كالذي أرسله الحاج الكربلائي  هدية للباشا  نوري السعيد ..!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا