كريم محسن
من القواعد الفقهية الراسخة في باب العقود، قول الفقهاء: “يصح العقد ويبطل الشرط”. أي أن العقد يبقى صحيحًا نافذًا، حتى لو تضمّن شروطًا باطلة تخالف نصوص الشريعة. وتطبيق هذه القاعدة على الزواج يكشف إشكالات فقهية وقانونية معاصرة.
فالزوجة قد تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها، أو أن يقطع صلته بأرحامه، أو أن يمتنع عن بعض الواجبات الاجتماعية. وقد تتضمن الشروط مثلاً اشتراط الذهاب كل أسبوع إلى العتبات المقدسة، أو الامتناع عن لقاء أصدقائه وأقاربه، أو أن تشترط أن يكون برفقته في أي سفر، أو أي شرط آخر لا يكون حائلًا أو مانعًا لصحة الزواج. مثل هذه الشروط وإن بدت ضمانة للزوجة أو وسيلة للضغط الأخلاقي على الزوج، إلا أنها في ميزان الفقه باطلة إذا تصادمت مع أحكام قطعية: فالتعدد مباح بنص القرآن، وصلة الرحم واجبة، ولا يجوز للإنسان أن يحرّم ما أحلّه الله.
وإذا خالف الزوج الشرط وتزوج بأخرى، صحّ العقد ولم يُلزم بالشرط. وهنا ينبغي التنبيه أن كلمة إثم وإن وردت في القرآن الكريم في 48 موضعًا، فإنها لم تُذكر بمعنى مخالفة العقود أو التنصّل من الشروط، بل جاءت للدلالة على الذنب والمعصية والحرام، مثل القتل وأكل أموال الناس بالباطل وشرب الخمر وغيرها من الكبائر. وبذلك، فإن مخالفة الشروط الباطلة لا تُعد إثمًا بالمعنى القرآني، وإنما تدخل في دائرة عدم الوفاء بالعهد أو نقضه، وهو توصيف أقرب إلى البعد الأخلاقي والاجتماعي منه إلى الحكم الشرعي القطعي.
لكن لا يمكن مساواة جميع الشروط. فهناك شروط مشروعة ملزمة، مثل اشتراط الزوجة السكن في بلد محدد، أو عدم منعها من العمل أو الدراسة، أو توفير مسكن مستقل. هذه كلها لا تتعارض مع النصوص الشرعية وتلزم الزوج بالوفاء بها.
المثير أن البرلمان العراقي في تعديلاته الأخيرة على قانون الأحوال الشخصية أقرّ نصًا في المادة التاسعة يسمح للمرأة أن تشترط على الرجل ألا يتزوج عليها، فيجب عليه الوفاء به، لكن إن خالف وتزوج بأخرى لم يبطل العقد. كذلك أجاز لها أن تشترط ألا يطلّقها إلا برضاها، فإن طلق من دون موافقتها وقع الطلاق وصحّ، لكنه يوصف بالإثم. هذه الصياغة تبدو متناقضة: فهي تعترف بالشرط وتعطيه قيمة قانونية وأخلاقية، ثم تسقط أثره عند التنفيذ، فتجعل العقد صحيحًا والشرط باطلاً.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المادة لم ترد ابتداءً في قانون الأحوال الشخصية الموحد رقم (188) لسنة 1959، بل ظهرت في إطار مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي طُرح في البرلمان عام 2013 ليُطبّق على أتباع المذهب الشيعي تحديدًا. هذا المشروع استند إلى المادة (41) من الدستور التي تتيح للعراقيين تنظيم أحوالهم الشخصية وفق مذاهبهم ودياناتهم، لكنه أثار موجة اعتراض واسعة لأنه يفتح الباب أمام قوانين طائفية متوازية بدل قانون مدني موحّد. وبذلك، فإن الطوائف الأخرى غير ملزمة أصلًا بمثل هذه النصوص، مما يكشف التناقض بين روح الدستور التي تؤكد التعددية والاختيار، وبين محاولات تكريس تشريعات مذهبية تزيد الانقسام بدل أن تعالج المشكلات الأسرية.
ويبقى السؤال: هل هذا النص تشريع شرعي ملزم، أم اجتهاد فقهي اختاره المشرّع؟ فإن كان نصًا شرعيًا فلا أصل له في المصادر المعتبرة، وإن كان اجتهادًا فهو غير ملزم لجميع المكلّفين. إذ يجوز للمسلم الشيعي أن يرجع في شؤونه الدينية إلى أي مرجع ييسّر عليه إدارة حياته الأسرية، حتى لو لم يكن هو مرجعه المعتاد في بقية المسائل. وهذا المبدأ الفقهي يعطي فسحة واسعة للمكلّف كي يتعامل مع التعقيدات الحياتية بعيدًا عن الإلزام باجتهاد واحد.
أما الدستور العراقي فقد حسم المبدأ بوضوح في المادة (41) حين نصّ على أن “العراقيون أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون”. أي أن التعددية هي الأصل، لا الفرض القسري لاجتهاد واحد على الجميع. لكن المشرّع حين يسنّ قانونًا عامًا وفق قراءة فقهية محددة، فإنه عمليًا يضيّق حرية الأفراد التي ضمنها الدستور، ويدخل المجتمع في صراع بين القانون المدني والتكليف الشرعي الذي يعتقد به كل مكلّف.
وليس خافيًا أن هذه المادة الدستورية بقيت موضع شد وجذب منذ 2005 وحتى اليوم. فهناك من يراها ضمانة للتنوع وحماية للهويات الفرعية، وهناك من يراها قنبلة موقوتة لتفتيت وحدة القانون وإضعاف الدولة المدنية. ومن هنا جاءت محاولات تمرير قوانين مذهبية مثل “الجعفري”، وهو ما يثبت أن السلطة التشريعية في العراق غالبًا ما تشتغل بمنطق المحاصصة لا بمنطق المواطنة. فهي تارة تخاطب جمهورها الانتخابي الطائفي، وتارة أخرى تتخذ قراراتها لإرضاء المرجعيات، وتترك المواطن في حيرة بين نصوص متعارضة: دستور يتحدث عن الحرية، وقوانين تسعى إلى التقييد.
وعلى المستوى الاجتماعي، فإن هذه الشروط الباطلة غالبًا ما تتحول إلى فتيل للنزاع بين الزوجين، إذ تشعر الزوجة أن حقوقها مهدورة إذا لم يُلتزم بما كُتب في العقد، بينما يرى الزوج أنه غير ملزم شرعًا ولا قانونًا. هذا التناقض يزرع بذور الشك وعدم الثقة منذ الأيام الأولى للحياة الزوجية، فيتحول النص القانوني إلى سبب للتفكك بدل أن يكون حماية للأسرة.
أما على المستوى القضائي، فالمحاكم الشرعية تواجه معاناة كبيرة في الفصل بمثل هذه النزاعات. فهي من جهة ملزمة بتطبيق القانون كما هو مكتوب، ومن جهة أخرى مطالبة بمراعاة الفقه ومقاصده. وغالبًا ما تُصدر المحاكم أحكامًا تجعل العقد صحيحًا، لكنها تترك الزوجة في حالة من الخيبة والخذلان، لأنها ترى أن الشرط الذي تم الاتفاق عليه لم يكن له أي قيمة عند التنفيذ. وهكذا تتحول المحاكم من مؤسسة للفصل العادل إلى ساحة لإعادة إنتاج التناقض بين القانون والشرع.
وإذ نعرف أن العراق بلد متعدد المذاهب، فإن محاولة فرض اجتهاد واحد تفتح باب الخلاف والانقسام. بل إن بعض القوى السياسية توظّف هذه القضايا في صراعاتها الانتخابية والشعبوية، متستّرة خلف شعار “حماية المرأة” أو “حماية العائلة”، بينما في الحقيقة تفرض رؤية فقهية غير متفق عليها، وتحوّل قضايا الأحوال الشخصية إلى ورقة للمزايدة السياسية بدل أن تكون ساحة لحماية الاستقرار الأسري.
الخلاصة أن القاعدة الشرعية باقية: العقد صحيح والشرط باطل إذا خالف نصًا قطعيًا. وما لم يكن النص قانونًا مستندًا إلى أصل شرعي ثابت، فإنه لا يجوز فرضه على جميع المواطنين وكأنه وحي منزل. وهنا تقع مسؤولية البرلمان والمحكمة الاتحادية والمجتمع المدني، لتصحيح المسار وضمان أن تبقى التشريعات منسجمة مع روح الدستور ومقاصد الشرع، بعيدًا عن التوظيف السياسي والخلط بين القطعي والظني. والبرلمان إذ يشرّع مثل هذه المواد المتناقضة، لا يدافع عن المرأة ولا عن الأسرة، بل يثبت أنه أداة بيد الصراع السياسي والطائفي، بعيدًا عن هموم الناس وحقوقهم الحقيقية.