حين يجري الحديث عن المتخيَّل الديني فإن المقصود، كما أشير في المقال السابق، هو تلك الصور الذهنية والرموز والسرديات التي تتكون في وعي المجتمع حول الدين، والتي تتشكل عبر التاريخ بفعل النصوص والتجارب والذاكرة الشعبية والتعليم والوعظ والثقافة العامة. هذه الصور لا تبقى مجرد أفكار في الذهن، بل تتحول مع الزمن إلى قوة مؤثرة في رؤية الناس للعالم وفي سلوكهم الفردي والجماعي.
وقد لفت بعض الباحثين المعاصرين، ومنهم المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، الانتباه إلى أهمية دراسة هذا المتخيَّل لفهم الطريقة التي يعيش بها المجتمع دينه في الواقع. فالدين لا يوجد في النصوص وحدها، بل يوجد أيضاً في الطريقة التي يتخيله بها الناس وفي الصور التي يحملونها عنه في وجدانهم الجماعي.
غير أن هذه الفكرة يمكن توسيعها لتقودنا إلى مفهوم أوسع هو المتخيَّل الحضاري. فكما أن المجتمع يحمل في وعيه صورة معينة عن الدين، فإنه يحمل أيضاً صورة أوسع عن نفسه وعن العالم وعن المستقبل الذي يتطلع إليه. هذه الصورة الشاملة هي ما يمكن تسميته بالمتخيَّل الحضاري.
المتخيَّل الحضاري هو الرؤية الجماعية التي تتكوّن في ذهن المجتمع حول موقعه في التاريخ، وقدرته على البناء، ونموذجه في الحياة، ونوع الدولة والمجتمع الذي يريد أن يحققه. إنه الصورة الكبرى التي تحدد اتجاه حركة المجتمع، وتؤثر في قراراته السياسية والاقتصادية والثقافية.
ولهذا السبب نجد أن الأمم التي نجحت في بناء نهضتها لم تعتمد على السياسات الاقتصادية أو القرارات السياسية وحدها، بل كانت تحمل أيضاً متخيلاً حضارياً واضحاً عن المستقبل الذي تسعى إليه. فالمجتمع الذي يتخيل نفسه مجتمعاً قادراً على الإبداع والإنتاج والعمل المشترك يختلف تماماً عن المجتمع الذي يعيش داخل متخيَّل قائم على الخوف أو الانغلاق أو استعادة الماضي بوصفه النموذج الوحيد الممكن.
إن المتخيَّل الحضاري لا يتشكل تلقائياً، بل يتكوّن عبر عوامل متعددة، منها التعليم والثقافة والإعلام والفنون والآداب والخطاب الفكري والسياسي. وكل هذه العناصر تسهم في تشكيل الصورة التي يرى بها المجتمع نفسه والعالم من حوله.
ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين المتخيَّل الديني والمتخيَّل الحضاري علاقة وثيقة. فالدين، حين يعيش في وعي المجتمع بصورة منفتحة على القيم الإنسانية الكبرى مثل الكرامة والعدل والحرية والمسؤولية، يمكن أن يسهم في بناء متخيَّل حضاري إيجابي يدفع المجتمع إلى العمل والإبداع والتعاون. أما إذا انغلق المتخيَّل الديني داخل صور ضيقة أو صراعية، فإنه قد ينعكس سلباً على المتخيَّل الحضاري للمجتمع كله.
إن المجتمعات التي تتطلع إلى النهوض لا تحتاج فقط إلى إصلاحات سياسية أو اقتصادية، بل تحتاج أيضاً إلى بناء صورة جديدة للمستقبل في وعيها الجماعي. هذه الصورة هي التي تمنح العمل العام معناه، وتحوّل الجهود الفردية المتفرقة إلى مشروع حضاري مشترك.
وبهذا المعنى يصبح التفكير في المتخيَّل الحضاري جزءاً من التفكير في مستقبل المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي ينجح في بناء متخيَّل حضاري رحب، قائم على القيم الإنسانية والإبداع والعمل المنتج، يكون أقرب إلى تحويل طاقاته الكامنة إلى واقع ملموس.
إن الأمم لا تتحرك فقط بما تملكه من موارد أو قدرات مادية، بل تتحرك أيضاً بما تحمله في وعيها من صور عن ذاتها وعن العالم. ومن هنا فإن بناء متخيَّل حضاري إيجابي يمكن أن يكون خطوة أساسية في الطريق نحو مجتمع أكثر قدرة على المشاركة الفاعلة في حركة الحضارة الإنسانية.