هذا الايقاع السريع متى نهايته؟
ثمة مهن تسلب الحياة منك تماما بايقاعها اللاهث والسريع. وثمة مهن تضعك في مركز الحياة. مهن تأخذك الى الابدية واخرى تقودك الى الفناء. الفيلم الشهير(انهم يقتلون الجياد) موضوعه مسابقة رقص. مقياس الفوز هو البقاء اطول فترة على الحلبة. الفائز هو الذي يبقى وحيدا على الحلبة بعد ان يتساقط الجميع من التعب.
الكريه في الامر هو ان المتسابقين ينسون الرئيسي ويستغرقون في الثانوي. يتجاوزون الفن ويركزون على العضلة. لا يعود الموضوع هو تلك الوسيلة الخالدة في التعبير عن النفس، والانفتاح على مطلق من الجمال تذوب من حواليه هموم اليوم وشواغل المعيشة. على العكس من ذلك تماما يتحول الفن الى معركة من معارك المعيشة، ومقامرة تلخص الحياة بالربح والخسارة، ينتهي المطلق ويسود النسبي، يموت الخالد ويعيش الزائل.
يقال ان الموسيقي هو الاطول عمرا والصحفي هو الاقصر عمرا. استطيع ان افهم ذلك تماما. فقد سلخت عمري في مهنة تقصير العمر. واليوم صباحا وانا في الطريق الى العمل طرق سمعي صوت ميادة الحناوي آتيا من بعيد وهي تغني ”انا باعشقك“. وصرت ادندن مع نفسي بعض كلمات الاغنية الجميلة نفسها ”بتحبني ولا الهوى عمرو ما زارك“.
وتمنيت ان يقودني الطريق الى مكان غير العمل. الموسيقى من لا مكان ولا زمان. والاعلام هو الزمان والمكان. الحواس والطاقة والعقل موجهة في الموسيقى الى اختراق حدود الزمان والمكان. وكل شيء في الاعلام موجه للامعان في تفاصيل الزمان والمكان.
واذا كنت ممن يعتقدون ان ارفع خلق الانسان يكمن في كف الأذى، وكنت رغم ذلك اعلاميا، فان الشعور بالذنب يسكنك الى يوم يبعثون. فالاعلام تبجيل الحقير وتصغير العظيم. اثارة الغريزة واماتة القلب. واعظم الشرور ما كان لها ان تكون الا بالاعلام. دونه لا احسب ان مخلوقا مثل اسامة بن لادن كان يمكن ان يوجد. كنت وما ازال اعتقد ان القاعدة ظاهرة اعلامية. تخيلوا فقط لو ان الاعلام كف عن تغطية مثل هذه الظواهر، وواجهها مواجهة صمت البحر، فهل ستعود موجودة؟
كنت اعمل في جريدة عربية في لندن، وكانت مبيعاتها ترتفع كلما بدأ مانشيت الاولى باسم من اسماء الشر: صدام، ابن لادن، القذافي. وكان الاول ابيع وانفع لأنه اخطر واوحش.
الموسيقي لا يشعر بالذنب فوق العادة. انه صانع جمال. واحدى مهمات الجمال الكبرى هي تنمية الحساسية. تلك النظارة التي تحدب على العناء البشري، وتشفق على الانسان المتألم، وتسمو به عن الصغائر، وتمسك اكتافه لتسأله برفق: الى اين تسرع؟ انك يجب ان تسعد، تضحك، تستمتع لأن المعاناة ممتدة من اول الطريق حتى آخره.
منذ تفتحت اعيننا رمينا بتعبير الايقاع السريع بوصفه سمة العصر. ويبدو اننا نحن العرب لم نأخذ من العصر الا اسوأ سماته. فالاعلامي هناك يمكن ان يأخذ سنوات في كتابة تحقيق كما في العمل الشهير عن ووترغيت الذي عد واحدا من الاعمال الخالدة في نزع الطابع الالهي للسلطة.
اما هنا فان التحقيق لا يأخذ بأيدينا ساعة !
وماتت ام كلثوم وعبد الوهاب ويوسف عمر وملأت الحلبة هيفاء وهبي. الموسيقى كلها اقدام والاعلام كله ركضة طويريج. متى تنتهي مطحنة الفراغ؟