هل يمكن الافتراض اننا نعرف الهدف الذي نسعى اليه كعراقيين؟على كل علاته فان دستورنا مثل اي دستور حديث يسعى الى تحقيق الرفاه والحرية. صحيح ان هناك « لخبطات» في هذا الدستور، تتضح من ديباجته، ولكن بالإجمال يمكن القول ان الهدف واضح. رغم ذلك ها أنتم ترون انه رغم ما يفترض من « وضوح» في الهدف فان حركة القوى السياسية باتجاهه جامدة. وهي جامدة لأن الساسة يختلفون في الطريق الموصل الى الهدف اختلافا يكاد يشبه الطلاق البائن. وهو اختلاف « نوعي» الى درجة تجعلنا نشكك في إيمان الساسة أنفسهم بوجود هدف يوحدهم، ويرون انه يمثل روح الدستور.
ولعله يمكن القول ان هذا التشكيك هو أصل أو جوهر الموضوع. فهل نحن كعراقيين، شعبا وساسة، نعمل بالفعل من أجل تحقيق هدف الرفاه والحرية؟ اذا كان الأمر كذلك ما أهمية ان يكون رئيس الحكومة شيعيا او سنيا او كرديا او مسيحيا؟
الرفاه ليس مذهبا دينيا والحرية ليست قومية. انهما هدفان صالحان لكل الناس وعابران لكل الأديان والطوائف والقوميات والأفكار. للرفاه طبيعة اقتصادية يحددها المستوى المعيشي للفرد والعائلة في كل مجتمع. وللحرية مفردات محددة ملتمة او مجموعة في وثيقة دولية تدعى لائحة حقوق الانسان.
ومن الواضح ان هذين الهدفين يتيمان، بلا أب او ممثل في السياسة العراقية. فالساسة بالإجمال عندنا اما ممثلون لطوائف او لقوميات. ولم يتشكل عندنا للآن حزب فوق الطوائف والقوميات، مؤلف من أفراد وبرامج تعنى بصورة حصرية بالرفاه والحرية.
هذا الواقع السياسي العقلي يضعنا في خانة الشعوب التي لا تزال بعيدة عن معرفة ماذا تريد. وقد شكلت لي قضية « ماذا تريد» هما كبيرا جدا في يوم من الأيام، دعتني الى طرح فكرة تشكيل وفد الى صدام حسين، يكلف مهمة طرح هذا السؤال عليه: ماذا تريد؟
لقد جاء الى الحكم وهو شاب من أصل فقير وتسلم بلدا من أجمل وأغنى وأهم البلدان في المنطقة، وجاءت الناس افرادا وجماعات ودولا تعرض عليه خدماتها. وكان على طول الخط يصطدم معهم، من يخدمه يبتلي ومن يعاديه ينتهي. يمعود شتريد؟ كان أمره، فقط لو تصفنون وتتأملون فيه، لوجدتم كم هو محير. والى حد كبير فان ذلك ينطبق علينا كشعب بالجملة. فهذه الولايات المتحدة، ومعها كل الدول العظمى، آتية الينا يحدوها الأمل باستقرار العراق، من أجل أن تستفيد وتفيد في الاستثمار، ما يمهد الطريق أمامنا للرفاه والحرية، ونحن ممانعون! على أي حال فاننا لسنا وحدنا في هذه الحال رغم تميزنا بها. فقد احتاجت البشرية الى آلاف السنين لمعرفة ماذا تريد، الى ان وفقت الى معرفة انه الرفاه وانه الحرية . لكن الناس لم يصلوا جميعا الى هذه المعرفة. فثمة أهداف غامضة، وغايات غريبة، وتطلعات عجيبة، مازالت تحرك الملايين باتجاهات بعيدة كل البعد عن الحرية والرفاهية. وصدام وورثته ونحن العراقيين بالجملة في عداد هذه الملايين المأخوذة بأهداف جل ان تسمى.