ربما كان افضل ما يفعله الساسة هو تجنب إشراك القضاء في القضايا السياسية الشائكة، مثل الانتخابات، وإبعاده عنها. هذا نهج يمكن أن يكسب الاحترام للطرفين، السياسة والقانون معا.
وعندنا فإن السلطة خصوصا، والساسة عموما، أقوى وأكثر فعالية من مؤسسة مثل القضاء. وهم لذلك أقدر منها، اذا خلصت النية، على إيجاد حلول مناسبة لمشاكل شائكة، وهي في الأساس، سياسية. خصوصا الانتخابات التي تعد أهم وسائل الحكم الديمقراطي. خلاف ذلك يمكن تعريض السياسة والقضاء للبهذلة، وبالتالي تعريض أمن واستقرار البلد نفسه للاهتزاز. إن قرار الهيئة التمييزية في مفوضية الانتخابات الغاء احتساب مقاعد وأصوات من القائمة العراقية، ومن غيرها، يعد حلقة جديدة من حلقات احراج القضاء العراقي. فهو قرار خلافي، المستفيد منه، وهو ائتلاف دولة القانون، سيباركه. ذلك انه قد يقدم هذه القائمة الى مرتبة الفائز الأول في انتخابات 7 آذار. والمتضرر منه، القائمة العراقية، سيعارضه أشد معارضة. ذلك انه يخفض فوزها في الانتخابات من المرتبة الاولى الى الثانية.
هذا الخلاف يمتد من الطبقة السياسية الى الجمهور. فالاجتثاث يشمل اصوات ناخبين هم الذين اقترعوا للمرشحين أو الفائزين بمقاعد نيابية. وبذلك فان معارضة القرار، وبالتالي القضاء صاحب القرار، ستكون على درجة كبيرة من الاتساع.
وهذه ليست طريقة ملائمة لما يجب ان يتمتع به القضاء من احترام ومن حصانة تحول دون ان يكون مؤسسة «خلافية». ولا هي بالطريقة الملائمة لرفع منسوب الثقة بالساسة والسياسة. ولا بد ان الناس تتساءل اليوم عما اذا كان ما حدث في 7 آذار انتخابات أم «طركاعة»! بالأمس طعون أدت الى قرار باعادة فرز نتائج بغداد، ولحق القرار مطالبات مماثلة، واليوم الغاء مقاعد وأصوات، والحبل على الجرار.
نحن جميعا متفقون على ان ديمقراطيتنا جنين، وان جميع مؤسساتنا، بما فيها القضاء، جنينية. والقضاء تحديدا من بين الأجنة تجب رعايته رعاية استثنائية والأخذ بيده من هذه المرحلة حتى البلوغ والنضج. فالقانون هو مصدر الأمان وحصن الاستقرار وطريق السلامة. كانت الهيئة التمييزية اتخذت في شباط الماضي قرارا بالسماح للمشمولين بالاجتثاث بالمشاركة في الانتخابات. وفي وقتها رأينا ان القضاء يرفع رأسه لأول مرة في تاريخ العراق الجمهوري، وهو تاريخ الخروج على القانون. واذكر ان سياسيا قال لي احتجاجا على ذلك القرار إن القضاء بحاجة الى تطهير من «جوه البعثي». حسنا البلد خارج من معطف الحزب الواحد. حتى الحلاق لم يكن يسمح له بإجازة عمل إذا لم يكن بعثيا أو وكيل أمن. فكيف بسلك القضاء وأجهزة العدالة الجنائية؟ وتذكرون كيف قامت يومها قائمة السياسيين. جميع الساسة المعترضين افتوا يومها بتجاوز الهيئة التمييزية صلاحيتها، فتراجعت وأحنت رأسها. ولن توجد رأس مرفوعة لبلد ينخفض فيه رأس القانون.