ذات يوم شتائي قصدت ( مستشفى حمد ) في مدينة الدوحة..
داخل المستشفى، سرت في ممر طويل بإتجاه المختبر..
على يساري رأيت صالة تسليم جثث الموتى ..أقرباء الميت في صمت وحِداد بإنتظار تسلّم جِثته..
بعد بضع خطوات رأيت على يمين الممر صالة الولادة.. وسمعت زغاريد النساء ابتهاجاً بقدوم وليد جديد.
المسافة قصيرة في المستشفى بين الموت والميلاد..
وكذلك هي في الواقع..
قلت في سرّي: ( هذا الوليد سيموت يوماً ويلتحق بذاك الميت، وكلاهما سيولدان من جديد في الآخرة، فالحياة والموت وجهان لحقيقة واحدة..لكن أكثر الناس لا يدركون بعمق هذه الحقيقة ولا يبرمجون حياتهم وأهدافهام في ضوئها، فهم كما وصفهم الإمام علي عليه السلام: الناس نيام حتى إذا ماتوا انتبهوا )!.
تذكّرتَ ذلك اليوم وانا أرى الناس تحتفل هذه الأيام بقدوم عام ميلادي جديد..
سررت للمشهد لأن طقوس الفرح نادرة في بلادي..فالأحزان والهموم والشكاوى تكاد ان تطغى على حياتهم اليومية طوال العام.
ولكن، ثمة سؤال جوهري : ماذا يعني رحيل عام وقدوم آخر؟..
يعني، بإختصار، أننا نقترب أكثر فأكثر من نهاية السباق في الحياة.. يعني أن قطار العمر يجتاز المحطات الواحدة تلو الأخرى حتى يصل إلى محطته الأخيرة عند الموت الذي ينتظرنا.
عبثاً نحاول إيقاف الرحلة..
عبثاً نحاول المكوث في محطة آمنة وجميلة..
القطار يمضي ومحطاته العديدة سرعان ما تصبح خلفنا وتتحوَّل إلى ذكرى تؤلم القلب بالحنين.
في القطار، هناك من ينشغل بالنظر الى المحطات التي غادرها وهي تتوارى وتتهاوى في ذاكرة الزمان كأوراق وردٍ ذابلة..
وهناك من ينشغل بالتطلّع من النافذة الى المحطات القادمة التي لم تتبيّن ملامحها بعد..
وهناك من هو في عزلة عن هؤلاء وأولئك ، فلا يهمه ما فات ولا ما هو آت.
وحكاية القطار ذاتها تتكرر كل عام.. بل كل يوم..
الناس تريد أن تكون رحلتها سعيدة في قطار العمر..
ولكي تكون الرحلة سعيدة وآمنة لا بد أن نستعد لها جيدا وأن نتحلى بالصبر والرضا لكل الإحتمالات غير السّارة فيها.
ينبغي أن نتجاوز أوهام الخلود ، وأن نكون على يقين بأنه في المحطة الأخيرة سينتهي كل شيء..الآلام والآمال.
سيتذوق الجميع الموت الذي لا مفرَّ منه، وستبدو الرحلة بكل أعوامها ليست أكثر من يوم أو بضعة يوم.
بهذا اليقين ستبدو الحياة قصيرة للغاية، ولكنها بالإيمان تستحق أن نعيشها بعمق ونمنحها المعنى وأن نستمتع بكل لحظة وكل دقيقة فيها، ولن يتجسّد ذلك في حياتنا اليومية بدون الرضا والتسليم لله تعالى في الأحوال كلها.
وكل عام وأنتم بخير وإلى الله أقرب.