توصل Henry Tye، أستاذ الفيزياء الفخري في جامعة كورنيل، إلى حسابات تشير إلى أن الكون قد يكون على وشك بلوغ منتصف عمره البالغ نحو 33 مليار سنة، وبالاعتماد على بيانات حديثة من مراصد الطاقة المظلمة، خلص إلى أن الكون سيستمر في التوسع لنحو 11 مليار سنة أخرى قبل أن يبلغ أقصى حجم له، ثم يبدأ بعد ذلك مرحلة الانكماش. ويقول تاي: “على مدى العشرين عامًا الماضية، اعتقد الناس أن الثابت الكوني موجب، وأن الكون سيتمدد إلى الأبد، لكن البيانات الجديدة تشير إلى أنه سالب، وأن الكون سينتهي بانكماش هائل”.
لم يعد من الممكن، في ضوء التحولات العميقة في علم الكونيات، النظر إلى الكون بوصفه مجرد فضاء مفتوح بلا بداية واضحة ولا نهاية محتملة، إذ تكشف الاكتشافات الحديثة عن صورة أكثر تركيبًا وعمقًا، تبدأ من حالة أولى شديدة الوحدة والسيولة تُعرف ببلازما الكواركات والغلوونات، حيث لم تكن المادة قد تمايزت بعد، وتنتهي – وفق بعض النماذج الجديدة – بإمكانية عودة الكون إلى حالة انكماش شامل تعيده إلى نقطة واحدة، كما لو أن الوجود يسير في قوس مكتمل من الوحدة إلى الكثرة ثم العودة إلى الوحدة.
هذه الصورة الكونية، التي تبدأ بما يشبه “السائل الكوني” وتنتهي بما يمكن تسميته “الانكماش العظيم”، لا تحمل دلالة فيزيائية فحسب، بل تفتح أفقًا فلسفيًا وحضاريًا عميقًا، لأنها تعيد صياغة السؤال عن معنى الوجود ذاته: هل نحن أمام كون يسير بلا اتجاه، أم أمام مسار له بداية محددة ونهاية محتملة، وبالتالي معنى ضمني يتخلل حركته؟
في الحالة الأولى للكون، حيث كانت المادة في حالة سيولة قصوى، لم تكن هناك حدود صلبة بين الأشياء، بل كان الوجود أقرب إلى وحدة متصلة، تتداخل فيها المكونات دون انفصال واضح، ثم مع الزمن بدأ هذا السائل يتكثف، فتتشكل الجسيمات، ثم الذرات، ثم النجوم، ثم الكواكب، وصولًا إلى ظهور الحياة والعقل، أي أن الكون انتقل من الوحدة إلى التمايز، ومن الاتصال إلى الانفصال النسبي، ومن البساطة إلى التعقيد.
لكن هذا المسار، إذا صحت النماذج التي تشير إلى احتمال توقف التمدد الكوني ثم انعكاسه نحو الانكماش، لن يكون مفتوحًا إلى ما لا نهاية، بل سيبلغ نقطة قصوى، ثم يبدأ بالعودة، وكأن الوجود يعيد طيّ نفسه في حركة معاكسة لما حدث في البداية، وهو ما يذكّر بالتصوير القرآني العميق: “يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده”، حيث تتجلى فكرة أن البداية والنهاية ليستا منفصلتين، بل متصلتان في بنية واحدة. غير أن هذا المسار الكوني الطويل لا يعني أن الحياة على الأرض ستستمر حتى نهايته، فالعلم يخبرنا أن شمسنا، بوصفها نجمًا متوسط العمر، ستدخل بعد نحو خمسة مليارات سنة مرحلة التمدد إلى “عملاق أحمر”، مما سيؤدي إلى ارتفاع هائل في حرارتها قد يبتلع الكواكب القريبة أو يجعل الحياة على الأرض مستحيلة، أي أن نهاية الحياة البشرية ليست مرتبطة بنهاية الكون، بل بمرحلة من مراحل تطور نجم واحد داخل هذا الكون. )للتفصيل اقرأ: Peter Ward and Joe Kirschvink, The New History of Life, (2009), pp 345-381) وهنا تتداخل المستويات: فبين بداية الكون ونهايته الكبرى، وبين بداية الحياة على الأرض ونهايتها المرتبطة بالشمس، يوجد مستوى ثالث هو مستوى التاريخ الإنساني، الذي لا يقاس بمليارات السنين، بل بآلافها، والذي يحمل بدوره فكرة “النهاية” أو “التحول الحاسم” في صورة مختلفة، كما في التصورات الدينية التي تتحدث عن أحداث كبرى تسبق نهاية العالم. وفي هذا السياق، تبرز فكرة ظهور الإمام المهدي بوصفها أحد أهم الأحداث التي يُنتظر وقوعها في المسار التاريخي للإنسان، لا باعتبارها نهاية للكون، بل بوصفها لحظة استعادة للميزان، حين يبلغ الاختلال مداه، فيُعاد ضبط المسار القيمي للتاريخ، وكأن التاريخ، مثل الكون، لا يُترك ليمضي بلا ضابط إلى ما لا نهاية، بل يخضع بدوره لسنن تعيد توجيهه كلما انحرف.