على مدى السنوات السبع الماضية سمعت عن منظمات غربية غير حكومية كثيرة قدمت الى العراق، وأسهمت بالخدمة في مجالات عديدة، ومنها الاعلام. ولم يصادف لي اللقاء باحداها، او بممثلين محليين لها. وحول هؤلاء الأخيرين تدور قصص كثيرة تتمحور على الفساد: ذاك نظم مؤتمرا قبض عليه مبلغا وقدره، فأنزل في جيبه ثلاثة ارباع قدره، وهذا ألف منظمة مجتمع مدني بمساعدتهم، فعاف المنظمة والمجتمع ونام على الدخل.
ولا أستطيع تأكيد او نفي مثل هذه القصص، ولكنني لا أعتقد انها بعيدة عن الواقع. فالاستقامة ليست اتجاها سائدا في بلدان الدكتاتوريات والفقر. وهناك نظام سياسي أسوأ من الدكتاتوريات ومن الفقر معا، يسمى النظام الشمولي. وهو نمط فساد أخلاقي شامل، يقوم على الغاء الثقة وتعميم الشك وتعميق الخوف بين افراد المجتمع، فتصبح العلاقة بين افراده علاقة ضحية بجلاد، وبطريقة تبادل ادوار متغيرة ومتناقضة، فجلاد اليوم ضحية الأمس والعكس صحيح. هذا هو نمط الحياة الذي تصنعه التوتاليتارية (الشمولية).
وكان عندنا مثل هذا النظام. وقد تخرجنا منه حين انفتح أمامنا أفق جديد بعد الغزو الأميركي في 2003 . ولا يعقل ان نكون قد خرجنا أصحاء دون لوثة فساد كانت مفروضة علينا بالنار والحديد. والفساد الذي اتحدث عنه ليس السرقة والمحسوبية والإهمال وما أشبه، فهذه آفات توجد دائما في كل مجتمع بدرجات متفاوتة. وهذا ما يمكن اعتباره من انواع الفساد « الطبيعي». انما الحديث عن نوع من الخراب المؤدي الى غياب قيم ومشاعر مثل الشفقة والتعاون والشهامة والخدمة والتضحية والرقة والمساعدة والشجاعة والاستقامة والمودة. هذا كله يغيب عن مجتمعات تحكم بالنمط التوتاليتاري على شاكلة ستالين وهتلر وبول بوت وصدام وكيم ايل سونغ.
وعند سقوط مثل هذه الأنظمة فان شعوبها تخرج ضائعة لا تعرف الي اي اتجاه تسير. ويظهر عليها الخوف من المستقبل دون ان تتحرر من خوف الماضي. وفي مثل هذه الأوضاع تنشأ عصابات ويظهر نصابون ويكثر لصوص. العراب والمحتال والحرامي الأوحد، وهو الحاكم السابق، ينشطر ويتزايد ويتعدد. هذا ما لاحظناه في روسيا بعد سقوط الشيوعية، مثلا، وعندنا بعد سقوط صدام. وفي هذا السياق يقع نصابو منظمات المجتمع المدني المحلية، وأشباههم الوكلاء من أبناء جلدتنا للمنظمات الغربية غير الحكومية.
ولقد تواردت لدي هذه الخواطر بعدما تسنى لي للمرة الأولى أمس اللقاء بمنظمة غربية غير حكومية، لها فروع في 50 دولة، تدعى آيركس، وتدير فرعها العراقي سيدة بريطانية معينة للتو بهذا الموقع. وكنت مدعوا بين إعلاميين آخرين للتعارف، لأن بين اهداف هذه المنظمة « تعزيز الاعلام المستقل». وكالعادة، ومن موقعي « المستقل»، هاجمت بعض أفكارها، ومنها ما ينطبق عليه المثل « تجهيز المعلف قبل الحصان». وانتهى اللقاء، بشرفي، من دون اي « تعزيز»! لا بل أكثر من ذلك، فقد قيل ان تراكم كميات تعزيزهم المالي أدى بهم الى تحول نوعي في منهجهم نحو التعزيز العلمي والتكنولوجي.
وخرجت من الاجتماع مثلما خرج صاحب لي من مكالمة هاتفية مع سعودي كان ينتظر منه وظيفة. الرجل قال له وهو يتحدث من الرياض: ابشر! رد صاحبي وقد قفز قلبه من صدره: خيرك؟ قال: تركت الدخان!