بغداد _ العالم
في بلدٍ ما تزال ذاكرة الحروب محفورة في أرضه كما في تاريخه، يبرز ملف الألغام والمخلفات الحربية بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه العراق على المستويين الإنساني والتنموي. فبينما تعلن وزارة البيئة تحقيق تقدم ملموس بتطهير أكثر من نصف الأراضي الملوثة، تبقى ملايين الأمتار المربعة مصدراً دائماً للخطر، مهددة حياة ملايين المواطنين ومعيقة لجهود الإعمار والاستثمار. ومع توجه حكومي لتحديث أنظمة إدارة المعلومات وتعزيز الشراكات الدولية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة تسعى إلى تحويل هذا الملف من عبء ثقيل إلى فرصة لاستعادة الأرض وتأمين مستقبل أكثر استقراراً.
وأعلنت وزارة البيئة تحقيق تقدم لافت في ملف إزالة الألغام والمخلفات الحربية، بعد أن تمكنت من تطهير أكثر من 62 بالمئة من إجمالي المساحات الملوثة في عموم البلاد، في خطوة تمثل تحركاً استراتيجياً نحو تقليل المخاطر التي تهدد حياة ملايين العراقيين، وفتح المجال أمام استثمار هذه الأراضي في مشاريع التنمية والإعمار.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن العراق لا يزال يواجه تلوثاً واسعاً بالمقذوفات غير المنفلقة والألغام، نتيجة عقود من الحروب والصراعات، ما جعله واحداً من أكثر البلدان تضرراً بهذا النوع من المخلفات الخطرة. وفي هذا السياق، أكدت الوكيلة الإدارية في وزارة البيئة ومديرة دائرة شؤون الألغام، الدكتورة اكتفاء الحسناوي، أن حجم التلوث لا يزال كبيراً جداً، رغم التقدم المحرز، ما يتطلب استمرار العمل بوتيرة عالية ضمن البرنامج الوطني لإزالة الألغام.
وبحسب الحسناوي، فإن المساحات التي جرى تطهيرها بلغت نحو مليار و226 مليون متر مربع، من أصل أربعة مليارات متر مربع تمثل إجمالي الأراضي الملوثة، فيما تتصدر محافظة البصرة قائمة المناطق الأكثر تضرراً، نظراً لتاريخها الحافل بالعمليات العسكرية.
وتنفذ عمليات التطهير عبر جهود وطنية مدعومة من منظمات دولية ومحلية، وفق خطط عمل محددة وجداول زمنية تعتمد على طبيعة التلوث وحجمه، إضافة إلى الإمكانات المتاحة للفرق الميدانية. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تواجه تحديات بارزة، في مقدمتها نقص التمويل، الذي يحد من القدرة على تسريع وتيرة الإنجاز والوصول إلى المناطق المتبقية.
وفي إطار تعزيز كفاءة العمل، تمضي وزارة البيئة في تحديث نظام إدارة معلومات شؤون الألغام، بالتعاون مع مركز جنيف الدولي، عبر الانتقال إلى النسخة الحديثة (IMSMA CORE)، التي تتيح إدخال البيانات إلكترونياً وتحديث الخرائط بشكل فوري، ما يسهم في تحسين سرعة الاستجابة للحوادث وتقليل المخاطر على السكان.
ويمثل هذا التحديث خطوة نوعية في إدارة الملف، إذ تعتمد المنصة الإلكترونية الجديدة على مطابقة البلاغات الواردة مع قاعدة البيانات، لتحديد ما إذا كانت المواقع المبلغ عنها معروفة مسبقاً أو جديدة، الأمر الذي يساعد في تحديد أولويات التدخل بشكل أكثر دقة وكفاءة.
وتواكب هذه الإجراءات تحركات ميدانية، حيث يتم إرسال فرق مختصة لإجراء المسوحات الفنية وتحديد نوع المخاطر ومساحات التلوث، باستخدام نماذج دقيقة تضمن توثيق المعلومات بشكل علمي ومنهجي. كما تواصل الوزارة تنفيذ حملات توعية في المناطق المتضررة، بهدف تحذير السكان من الاقتراب من مواقع الخطر وتعريفهم بطبيعة الألغام والمخلفات الحربية.
ورغم هذا التقدم، لا يزال ملايين العراقيين يعيشون في مناطق مصنفة “عالية الخطورة”، إذ تشير تقديرات دولية إلى أن نحو 8.5 ملايين شخص معرضون بشكل مباشر لمخاطر الألغام والمقذوفات غير المنفلقة، ما يجعل هذا الملف قضية إنسانية ملحة تتجاوز حدود العمل الفني إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية واسعة.
وتنعكس هذه المخاطر بشكل مباشر على جهود التنمية، إذ تعيق الألغام استثمار الأراضي الزراعية، وتؤخر تنفيذ المشاريع الخدمية والبنى التحتية، فضلاً عن تأثيرها على عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، ما يضع عبئاً إضافياً على الدولة والمجتمع.
ويجمع مختصون على أن تحقيق تقدم حاسم في هذا الملف يتطلب معالجة التحديات المالية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، إلى جانب توسيع الشراكات الدولية، بما يضمن استكمال عمليات التطهير وفق معايير السلامة الدولية.
ومع استمرار الجهود الحكومية وتحديث أدوات العمل، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذا التقدم إلى إنجاز كامل يضمن إزالة الخطر بشكل نهائي، ويعيد الحياة إلى ملايين الأمتار من الأراضي، لتتحول من مناطق تهديد إلى مساحات آمنة تدعم الاستقرار والتنمية في العراق.