أعدوا المعلم والمنهج أولا..
21-أيلول-2025

بغداد - العالم
في العدد المرقم 92 من صحيفة الساعة، والمؤرخ في 14 كانون الأول 1944، نشرت الصحيفة مقالا يتحدث عن واجبات الدولة إعداد المعلم والمنهج الدراسي على هامش التعليم الإلزامي.. جاء في المقال:
لقد كان من قبل جدل في التعليم الإلزامي في هذا البلد، وكان الجدل في أصل المبدأ أولًا، وفي الطريقة لتطبيقه ثانيًا، وفي الطريقة الإدارية لتنفيذه ثالثًا، ثم كان بحث في الطاقة المالية لتحقيقه، لقد كان الجدل والبحث في ذلك كله من قبل.
أما الآن فيظهر أننا قد انتهينا من الجدل، وأننا وصلنا مرحلة خفت عندها صوت كل مجادل، لأن الأمر من جميع نواحيه قد أصبح مفروغًا من البحث فيه، فالأمة جاهلة بأكثريتها، والجهل والحياة الاستقلالية الحرة الكاملة النصيب من الحريات الطبيعية – أمران هما النقيض دون ريب في ذلك – فلابد من القضاء على جهل الأكثرية في الأمة، لتتمتع كلها بحرياتها، وتتذوق كلها معنى استقلالها، ثم لتعيش كلها بعد ذلك في رفاعية الأمم القوية المنيعة العارفة مكانتها في الحياة، والمقدرة واجباتها في الحياة حق قدرها، والساعية إلى استكمال كل ما ييسر لها أن تكون في موكب الإنسانية رافعة الرأس موفورة الكرامة تؤدي رسالة الحضارة كما يؤدي غيرها أو أكثر مما يؤدي.
ولقد أصبحت الحكومات عندنا مقتنعة بهذا كله فما تقف عقبة بعد دون إقرار التعليم الإلزامي، وإذا كانت الطاقة المالية من قبل قد وقفت في الطريق، فيظهر لنا اليوم أن الرأي الحكومي قد استقر على أن يزيل هذه العقبة بالتدريج، وأن الشروع بالعمل لا يمنه منه قصور الطاقة عن استيعاب المشروع بنطاقه الواسع، فمن الحكمة بل من الواجب أن يدرج العمل من مرحلة إلى مرحلة وقد علمتنا تجارب السنين الأخيرة أن الأعمال الإيجابية لا ينفع فيها طفرة، ولا تثمر قفزة عالية تعقبها انتكاسة تنحدر بالعمل والفكرة معها إلى منزلة تبعد بهما عن نقطة الابتداء ترديًا وحبوطًا، وقد علمتنا هذه التجارب كذلك أن تأخير الأعمال الإيجابية إلى أن تستكمل الإرادات كلها وتتسع الطاقة على قدر لأعمال بمقايسها الواسعة التي يجب أن تكون عليها – علمتنا التجارب أن هذا التأخير أيضًا لا يختلف في العاقبة عما تؤدي إليه الطفرة، وأنه مضيعة للوقت سدى بلا ثمن، بل وسيلة للإخفاق في النهاية والندم ولات ساعة مندم.
هذا شيء يظهر لنا أنه أمر أصبح مفروغًأ منه، فليس بنا من حاجة إلى التبسيط فيه، وقد أشارت الوزارة القائمة إلى مشروع التعليم الإلزامي في خطاب العرش إشارة صريحة لا مجال فيها للتأويل، وقد أشار إليه كذلك معالي وزير المعارف في تصريحاته للزميلة "الزمان" إشارة واضحة أيضًا تدل على هذا الذي نقول الآن.
فماذا إذن بقي لنا أن نقوله في هذا الموضوع لفائدة المشروع نفسه، لا لشهوة القول بذاته، فما بنا من حاجة إلى قول نقصده لذاته، وما بنا من شهوة إلى البحث عن نقطة ضعف لأنها نقطة ضعف فما هذا شأننا ونحن قد جردنا أقلامنا ونشرنا صحيفتنا هذه لأداء رسالة لخدمة مبدأ وطني قومي لا يجادلنا فيه مجادل.
بقي أن نقول في مشروع التعليم الإلزامي أمرين إثنين:
أولهما أمر المعلم لأن هذا هو منفذ المشروع في الحقيقة لا الحكومة، فماذا يجدي الأمة أن تنفق الأموال بسخاء على مشروع خطير مثل هذا والمنفذ ليس أهلًا لتنفيذه سواء من ناحية ملكاته المهنية، أو من ناحية ملكاته الخلقية، ونحن نعلم باختباراتنا الشخصية أن المعلم عندنا ناقص من ناحيتيه هاتين، وقليل من المعلمين من رأيناه موهوبًا ملكة المعلم، الذي يعمل وهو يعرف أنه يؤدي عملًا يحبه ويختاره دون غيره من أعمال الحياة اختيارًا عن طواعية ورغبة، وقليل من المعلمين من رأيناه قد هضم ما تعلمه في المدرسة ليفيض منه على هؤلاء الذين وكل إليه أمر تنشئتهم وتقويم أذهانهم بروح منه لا من محفوظاته المشوهة في نفسه تشويها، ثم قليل من المعلمين من رأيناه قادرًا على هضم معنى الواجب الوطني الذي يؤديه، فليس في شعور المعلم إلا شيء واحد هو الراتب، وما دام الراتب قليلًا وما دام الترفيع غير مضمون، فليس يرغب في مهنة التعليم موهوب، وليس يهضم معنى الواجب الوطني معلم، فإعداد المعلم الصحيح – إذن – يقتضي إعداد عقل الهاضم، وإعداد ضميره الوطني اليقظ، ودعم هذين بالراتب الضامن لعيش هذا المجاهد، ثم بالتقدير لمجهوده تقديرًا ماديًا ومعنويًا معًا، وأنا موقن أن المعلم الذي سينفذ مشروع التعليم الإلزامي إذا كا هذا المعلم ناقصًا في علم، ناقصأ في خلق، ناقصًا في عيش، وناقصًا في كرامة عند الناس وعند الحكومة معًا فإن المشروع سوف لا يؤتي الثمرات المرجوة منه، فضلًا عما سيهدره من أموال الدولة والأمة باطلًا بلا عناء.
والأمر الثاني هو أمر المنهج، فقد عانت البلاد من البلبلة والفوضى في مناهج التعليم ما رجع بثقافتنا الوطنية إلى الوراء، ومرجع هذه الفوضى إلى سياسة الوزارة غير الثابتة وقد قامت في الأذهان فكرة شائعة عن سياسة التعليم، هي أنها سياسة "ذوقية شخصية" في وزارة المعارف أي أن المناهج تتبدل بين عشية وضحاها، لأن رجال عهد يختلفون عن رجال عهد آخر في لون الذوق، وفي لون الثقافة والمزاج، والرأي والاتجاه ولا بأس أن بتبلبل المعلم، ويتبلبل الطالب، وتنفق الأموال على طبع المناهج والتعليمات ثم تنسخ وتنفق أموال جديدة على مناهج وتعليمات جديدة وهكذا دواليك.
أعدوا المعلم الصحيح أولًا، ثم ابنوا سياسة التربية والتعليم على أساس ثابت مستوحى من العلم والواقع معا، ثم انفروا إلى جهاد الجهل والأمية في هذه الأمة لتنال حقها الطبيعي في المعرفة، ولتتمتع بحرياتها الطبيعية كاملة، ولتعرف سبيل العيش الرضي المرفه، وكان الله في عونكم..

رادار الإصلاح الحكومي يخترق أسوار الخطوط الجوية: تفكيك تركة الإخفاق الإداري واستعادة هيبة الطائر الأخضر
23-نيسان-2026
استراتيجية «صندوق دعم التصدير»: ثورة لتنويع الاقتصاد وتوطين شعار «صُنع في العراق»
23-نيسان-2026
بواقع 15 ألف متفرج نينوى تشرع بإنشاء ملعبها المركزي في أيمن الموصل
23-نيسان-2026
السِّيادة المؤجَّلة: سوريا وقيود الجغرافيا
23-نيسان-2026
الفلسفة عندما تكون أسلوب عيش في العالم
23-نيسان-2026
ياسمين عبدالعزيز تقاضي ناشري صورها المسيئة: «لا تليق بي كامرأة وأم مصرية»
23-نيسان-2026
دروب اللعنة
23-نيسان-2026
تشارليز ثيرون تروي تفاصيل مقتل والدها على يد أمها
23-نيسان-2026
شيرين عبد الوهاب تنهي قطيعة عام: الظهور الأول من الاستوديو
23-نيسان-2026
بين الملوية وذاكرة الحضارات.. سياحة العراق الآثارية تبحث عن نهضة مؤجلة
23-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech