لم يكن الفقر سبب الثورة الفرنسية. الفقر موجود دائما. وكانت الناس تتعامل معه مثلما تتعامل مع الأقدار. صحيح أن البلاد شهدت جزرا مؤذيا في الإنتاج الزراعي عام الثورة. لكن هذا كان يحدث دائما ويمر وكأنه انحباس المطر. وكما لا تكون الطبيعة موضع حساب عند انحباس المطر فإن الساسة لا يحاسبون عن المجاعات والآلام. كان كل شيء يرد الى القدر والى الغيب. وكانت الناس تتقبل المحن مع شعور بالذنب بوصفها عقوبات سماوية على ذنوب بشرية.
لكن كان هناك شيء جديد قد حدث في فرنسا قبيل ثورة 1789 . وكان ذلك هو الوعي بالفقر والإحساس به، بوصفه واقعة اجتماعية، للبشر يد فيها، بالتهوين أو التخفيف منها، أو بالزيادة والتطرف فيها. والدليل على ذلك موجود بين الناس وهو هذه الطبقات السياسية والدينية المتنعمة.
هذه الطبقات لم تكن عامة الناس تراها رؤية العين المجردة. لم تكن تشعر بأن النبلاء والملوك والكهنة من طينة الناس. كانوا ينظرون اليهم، كما تنظر الناس خلال الأحلام، بالمشاهدة والرؤى. وكان السادة يظهرون خليطا من مواد السحر . كانوا وارثي سلطات اقترنت بقداسة الدين.
وعلى مدى أربعة قرون، منذ عصر النهضة، تراكم وعي جديد، أمكن من خلاله اكتشاف شيء يدعى المجتمع، والى هذا المجتمع يمكن رد ظواهر المعاناة، من تفاوت طبقي شنيع وفقر واستغلال واسترقاق. وعندها ظهر أن الملوك والنبلاء والكهنة من طينة البشر. فيهم الطالح والصالح والمذنب والبريء. بل ربما كانوا أحيانا أسوأ بسبب سلطانهم الذي يتيح لهم التصرف كالوحوش في الفلاة.
وبهذا الوعي ذهبت الغشاوة عن العين وصارت ترى الناس والأشياء مباشرة، بحاسة النظر الطبيعية، لا بواسطة أوهام وأساطير مشوشة للحواس والعقل.
لقد انطوى عصر القدر وحل عصر البشر. هذا كان إعلان الثورة الفرنسية.
وهذا ما حدث هناك، في الغرب، وتأثرت به بقية شعوب العالم، أنواعا من التأثر. ولكن هذه الأنواع من التأثر، مهما بلغ عمقها، فإنها ما زالت غير مساوية لذلك الذي حدث هناك. ففي الغرب نتج ذلك الحدث عن تراكم في العلم والتكنولوجيا والفكر والأدب والفن أدى الى موت نظرة معينة الى العالم وولادة أخرى جديدة.
أما نحن فاننا نراوح عند النظرة القديمة في العمق والجديدة في السطح او المظهر. وهذا المركب الهجين أشبه بعدسة مشوشة تمنع الرؤية الطبيعية. ومازلنا أقرب الى أرض القدر منا الى أرض البشر.
انظروا، على سبيل المثال، الى ما يحدث معنا من أزمة في الكهرباء. نشتوي بصيفنا الجهنمي منذ 20 عاما ونحن ساكتون. في الأعوام السبعة الأخيرة انفقت 17 مليار دولار على هذه الخدمة والنتيجة هي هذه: الانتاج الحالي 3300 ميكاواط وحاجة البلد 27 الف ميكاواط. أي ان الـ 17 مليار دولار ذهبت هباءً واستمرت الأزمة في درجة الصفر. جميعنا تقريبا يعرف هذه المعلومات. لكننا، شعبا وحكومة، لم نتصرف، لا سقطت وزارة، ولا ثار شعب. ذلك اننا مازلنا في أرض القدر. هنا حيث لا نعرف ولا نتصرف على أساس أن البشر الذين يصنعون المشاكل يستطيعون حلها.