كتبت عن أزمة الليل في بغداد فإذا بصديقي العزيز الرسام عبد الاله لعيبي يستيقظ من غفوته عني، وهو في السويد، ويكتب لي بضع كلمات معناها الله يساعدك. وأنا محتاج ككل عراقي الى معونة الله، والى بركة من القادة الأمنيين العظام تفك أسر الليل من قبضة منع التجول، والى التفاتة حانية من وزير الكهرباء، وأخرى من المسؤول عن النظافة. القائمة طويلة.
وكلما جاء ذكر الليل يا عبود أتذكر لوحة « المقصجي» التي أهديتني إياها مرة. ما الذي كان يراودك حين رسمت تلك الشخصية؟ كان الوقت المحيط به هو السحر، وهو وقت فاصل بين الليل والفجر، وكان يحمل فانوسا، يدله على الطريق، بعد أن يكون قص سكة، ووجه القطار صوب الاتجاه المطلوب.
أين ذهب « المقصجي» الذي يهدي القطارات يا عبود؟
عراق الجميع هو مثل عراق الأفراد فقد « المقصجي» منذ زمن طويل. كنا خمسة، الأديبان شريف الربيعي وهاشم شفيق والرسام يوسف الناصر وأنت وأنا، مجموعين في نيقوسيا. وكنا نعرف أنها ممر وليست مستقرا. ثم قذفنا كلا في اتجاه. بالصدفة لا عن طريق « مقصجي». وفي بعض الأحيان يكون الممر أفضل من المستقر. وقد أعزّي بهذا القول نفسي. ولكن ألا ترى الناس تحن الى الطفولة والصبا والشباب؟ ذلك انها ممرات عابرة. وما ان يستقر بك الحال عند مرحلة الرشد، هذه التي أظنها تقع في الخامسة والثلاثين، حتى تبدأ خطواتك على الطريق الثابت الواحد المفضي الى الواحد الأحد.
ولكن هل بلغنا تلك الطريق يا عبود بعد كل هذا العمر؟ هل بلغنا الاستقرار؟
أما البلد نفسه فمن الواضح انه لم يفعل. فمازال طفلا مشوشا لا يعرف حتى كيف يلم الزبالة. وها هي بغداد تشهد أكبر تنمية للمزابل في تاريخ العالم. أينما التفت من حولك تجد مزبلة. وعندما أريد أن أدلّ أحدا على منزلي فالشارة الدالة هي مزبلة في « راس العكد».
ومن أعجب امارات الطفولة في البلد انهم يمنعون التجول في الليل ولا يجدون طريقة لحماية البنك المركزي من الاقتحام في عز الظهيرة. وهاهي البلاغات الأمنية ماضية في تأكيد التحسن الأمني، تماما كما ظل الصحاف يفعل خلال « أم المعارك» الى أن ظهرت أخيرا دبابة أميركية في كادر الصورة المبثوثة مباشرة على الهواء.
أمس أوقفني عسكري في إحدى السيطرات. ولما عرف انني صحافي سألني: هل فعلا الاعلام سلطة رابعة؟ قلت: مازال الوقت مبكرا. قال: صحيح.. أنا واجبي أحمي القانون من أيام صدام لليوم ولكنني لم أشعر يوما بوجود قانون يحميني. سألته: هل تريد القول بأن الوقت مازال مبكرا على دولة القانون؟ قال نعم. ومن هذه الأمثلة الكثير الكثير مما يؤكد مراوحة البلد، مثلنا كأفراد، في الممر. وان الممر خال من « المقصجي»، وان القطارات تتصادم في العماء.لقد أحببت تلك اللوحة يا عبود. هل تذكر؟