رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 30 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2486

ملامح الارتكاسة الثقافية في العراق

الاثنين - 13 تموز( يوليو ) 2020

علي غالب بابان

عندما انجلى صبح يوم التاسع من نيسان العام 2003 عن قوات امريكية تدوس ارض بغداد الطاهرة، لم يكن تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس هو وحده الذي سقط، لكن تهاوت معه ايضا معادلات جديدة حكمت العراق لثلاثة عقود ونصف وحتى قبلها، منذ تأسيس الدولة العراقية، حيث تم في تلك الفترة صياغة فكر العراقي، وتشكيل ملامحه الثقافية.
وقف العراقي والذي بدا وكأنه اخذ على حين غرة صبيحة ذلك اليوم يسأل نفسه: هل يعقل ان منظومة القيم التي تربينا عليها كانت باطلة.. وكاذبة.. ولا تستحق الاحترام والاتباع؟
تفاوتت اجابات العراقيين على هذا السؤال الصعب، لكن في كل الحالات تقريبا كان هناك (وضع من الاهتزاز في القيم)، و(مساحة تكبر من الشك في كل ما قدمه النظام السابق على طبق الثقافة)، لقد رأى العراقي ادوات الفتك بيد الجندي الامريكي، والتي هزمت بها بلاده وتعامل معها على انها علامة تفوق حضاري ليس الا. ومنذ ذلك الوقت وضع الاهتزاز القيمي يكبر ومساحة الشك باقية وتتمدد.
يقول ابن خلدون: "ان الامة اذا غلبت وصارت في ملك غيرها، اسرع اليها الفناء، والسبب في ذلك والله اعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل اذا ملك امرها عليها وصارت بالاستعباد الة لسواها". 
لكن خزين الديكتاتورية لم يتبدد في الواقع، بل انتج لدى شرائح محددة في المجتمع صورا من التشبث بالثقافة القديمة وحالات من الغلو والمكابرة والتمرد على ما وقع مع العجز عن تفسيره والتعرف إلى اسبابه الحقيقية. وعلى الطرف الاخر كان المظلومون.. المستضعفون .. ضحايا الديكتاتورية.. يسعون بكل جد لارساء المعادلة الجديدة بشقيها السياسي والثقافي.
انجلى المشهد آنذاك عن نموذجين اجتماعيين: مجتمع منكفئ على نفسه، يتجرع كأس الهزيمة، ويحاول خداع الذات بالمكابرة والتشبث بالشعارات السابقة. ومجتمع يحاول الامساك بزمام الامور، من خلال تكريس ثقافته وتعميمها ومصادرة غيرها، باعتبارها تمثل نظاما بائدا ومعادلة سياسية اجتماعية منتهية الصلاحية.
بدأنا نعيش (ثقافة الطيف الواحد) و(التوجه الواحد) وصار لزاما على كل من يريد ان يسير في دروب الفكر والثقافة ان يقرا ابتداء لافتة (ممر ذو طريق واحد)، فالقوم لهم فهمهم الخاص للدين وقراءتهم المستقلة للتاريخ، وما سواه غير مسموح به، لا بقوة القانون ولكن بقوة الحراك والتوجه الاجتماعي الطاغي. تراجع الانتاج الثقافي والفكري والفني الى ابعد الحدود، وصار بصورة أو باخرى تعبيرا عن ثقافة الحاكمين والممسكين بالسلطة او مسايرا لها.
في البداية كان النموذج الذي عرضت به الثقافة الدينية مغريا الى حد كبير للشرائح الاجتماعية التي عانت من الحرمان خلال الحقبة الديكتاتورية، وبدا ان إقبالها على تلك الثقافة وممارساتها لم يكن سوى رد فعل او فعل تعويضي عن سنوات الحرمان، غير انه كان للزمن والتجربة منطق اخر فالأمم تتعلم من ايامها وتراجع نفسها وتغتني بتجاربها. وبمرور الوقت تعرض رواد تلك الثقافة ورموزها ومروجوها لاختبار السلطة وامتحانها الرهيب (وهو في الواقع ادق الامتحانات واصدقها )، وكانت نتيجة ذلك الامتحان: راسب بكل الدروس ..!!
ادت تلك النتيجة وسقوط رواد تلك الثقافة بامتحان المصداقية الى نتائج مختلفة، ما زال بعضها في طور التفاعل، ولم يتخذ شكله النهائي بعد. اتضح ان مسوقي ثقافة اللون الواحد قد اضروا بالتوجه الديني لدى المجتمع، وصنعوا نفورا منه قاد البعض الى تعاظم حالة الشك مما جعله (بلا موقف) من الناحية العملية، فيما توجهت شرائح اجتماعية اخرى الى حالة من (المراجعة)، بتنا نرى صورا واضحة منها في شعارات الشارع، وفي ثورة تشرين. وعبّر عراقيون اخرون عن صور من (اللادينية) وضمن هامش واسع من النماذج. بينما بحث الاخرون عن خلاصهم في صيغ عرضت عليهم باسم (المدنية) او (العلمانية) وبات واضحا ان سوق اولئك يشهد رواجا نسبيا على الرغم من الخواء الفكري الواضح لديهم وعجزهم عن تقديم مضمون حقيقي لفكرهم وتوجهاتهم.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه التطورات تحدث في المجتمع الشيعي العراقي، كان نظيرها وما هو اشد قوة منها  (باعتبار سقوط النموذج المعروض للتدين) يحدث في ساحة السنة العراقيين، بعد ان انتهت غزوات داعش والمجموعات المشابهة الى دمار وخراب لا نظير له. وباتت تلك المجتمعات تلعق جراحها وتحصي قتلاها وخسائرها، باحثة عن انماط ثقافية جديدة، لكن ذلك سيكون مرتبطا الى حد كبير بما يحدث على ساحة الشريك الاخر، وعلى النموذج الوطني العام الذي ستكون له الغلبة على صعيدي الثقافة والسياسة. وما زال شعور تلك المجتمعات بالمظلومية والاقصاء يحكم حركتها الى حد كبير، ويعيق نشوء النمط الثقافي المتوازن المتحرر من العقد. وما زال الاحساس بالاغتراب هو الطاغي في تلك المجتمعات.
الدرس الكبير الذي يمكن تعلمه من تجربة السنوات المنصرمة في العراق، يتمثل في ان اكبر جناية يرتكبها رواد ثقافة معينة، تحدث عندما يحاول هؤلاء تعميم ثقافتهم على المجتمع وغلق الطرق امام الثقافات الاخرى، مستخدمين ادوات السياسة والتمكين الاجتماعي التي بحوزتهم، لانهم حينئذ لا يعيقون التطور الثقافي الطبيعي للمجتمع ويحرموه من نعمة التنوع والاختلاف فحسب، بل يدفعون الى صناعة مساحات من العداء والنفور لثقافتهم ما كانت لتنشأ في ظل اجواء طبيعية من التنافس الثقافي والتلاقح الفكري. 
ان حركة الثقافة داخل المجتمع عندما تربط بحركة السياسة وتصبح اسيرة لها، فانها تتقمص كل امراض السياسة وعللها، بما فيها من زيف وانعدام للمصداقية.
إن المجتمع العراقي وهو في طريقه للتحرر من القوالب السياسية التي فرضت عليه، واعاقت حركته الطبيعية، لا بد ان يحرز التحرر الثقافي ايضا، والذي نرجو له ان يكون اصيلا، وان لا ينحصر في دائرة رد الفعل، وان ينمو ويزدهر في محضن طبيعي من الحرية السياسية والاجتماعية. 
وصدق الله العظيم اذ يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ).

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي