رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

علي الوردي.. وقصة (عدنان وحبابة )..!!

الأحد - 7 حزيران( يونيو ) 2020

علي غالب بابان

ربما يكون علي الوردي عالم الاجتماع العراقي الرائد، الذي لم ينل حظه من التكريم والاهتمام، شانه شان الكثيرين من قامات العراق الشامخة ومفكريه الافذاذ، من افضل الذين كتبوا عن الشخصية العراقية، واهتموا بتحليلها وتبيان خصائصها. وقد نهض بدور بارز في هذا المجال، سبق به معاصريه، وتفوق به على من اتوا بعده. كم كنت اتمنى ان تكرس جائزة باسم الدولة تقدم لأفضل بحث اجتماعي، وتحمل اسم الدكتور علي الوردي، كما تفعل الامم المتقدمة التي تحفظ فضل وريادة النوابغ من ابنائها.
كتب علي الوردي في كتابه الرائع (شخصية الفرد العراقي)، الذي يعد من اهم مؤلفاته على الاطلاق: "العراقي اقل الناس تمسكا بالدين، واكثرهم انغماسا في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية، وطائفيا من ناحية اخرى".
تعود بي الذاكرة لاواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي، وهي فترة صعود الحزب الشيوعي العراقي، وقد كنا صغارا، لكن تفاعلنا مع الاحداث كبير. واتسعت الذاكرة لكثير من الوقائع والاحداث الهامة، خصوصا وان تلك الحقبة اتسمت بالاستقطاب الحاد في المجتمع العراقي والتنافس السياسي العنيف، ووصل الانقسام فيه الى داخل الاسرة الواحدة، حيث كنا نسمع ونرى الخلافات والمشاحنات بين الاشقاء والاقارب في كثير من الاحيان.
في مدينة الموصل، حيث الاغلبية العربية السنية والتوجهات العروبية، والطابع الديني، حصل صدام عنيف بين الحزب الشيوعي ومجتمع الموصل المحافظ، وانتهى بما عرف بمجزرة الموصل عام 1959. كان (عدنان جلميران) وهو من اسرة معروفة بالموصل، ذات اصول كردية، احد كوادر الحزب الشيوعي بالمدينة، وأحد قياداته المعروفة، واتهم لاحقا بالمشاركة في المجزرة وتم سجنه. ارتبط عدنان بعلاقة عاطفية مع (حبابة) وهي ايضا شابة شيوعية من النجف، وقد قررا الزواج. وذهب عدنان ليأتي (بالقاضي السني) ليعقد قرانهما، وكانت مفاجأته ان حبابة الشابة الشيوعية رفضت ان يعقد القاضي قرانها، واصرت على ان يأتي (بالسيد) ليقوم بالعملية طبقا للمذهب الجعفري. وافق عدنان على الطلب، وتم عقد القران طبقا لرغبة حبابة .
قدر الله لي ان التقي بعدنان وحبابة معا، وكانت شابة شديدة السمرة، تجلس الى جانب مرتبة عدنان الملقاة على الارض في سجن باب المعظم، حدث ذلك عندما ذهبت مصطحبا والدتي لزيارة ابن اختها المرحوم (سعيد سليمان شخيتم)، وكان من الموقوفين على نفس القضية، ومرتبته على ارض السجن مجاورة لمرتبة عدنان، الذي جاءت حبابة ايضا لزيارته.  كان ابن خالتي سعيد عضوا في الحزب الشيوعي، ونقيبا للمعلمين في الموصل بعامي 1959 و1960، وقد تمت تبرئته من تلك القضية، واطلق سراحه في ما بعد.
تذكرت كلمات الوردي وتشخيصه الصائب لشخصية الفرد العراقي، وانا استعيد قصة (عدنان وحبابة)، وبالقطع فان هناك الالاف وربما الملايين ممن يحملون هذه الازدواجية في تفكيرهم وسلوكهم. تلك الازدواجية التي بتنا نتأذى منها في المجتمع العراقي بالوضع الراهن، وندفع ثمنها الباهظ من فرص النهوض ببلدنا، وامكانية تعافيه من علله وامراضه الاجتماعية.
اعتقد اننا بحاجة ماسة لإعادة فتح كتب الوردي، والتمعن مليا في خصائص الشخصية العراقية، وسبر اغوارها؛ ففي اخر المطاف لا يمكن الولوج الى اي مشروع نهضة حضارية، إلا من خلال التفهم العميق لواقع الانسان والمجتمع في العراق.
وصدق الله العظيم اذ يقول ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)).

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي