رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2467

خياران أمام الكاظمي: بناة الدولة أو طلاب السلطة

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020

نصيف الخصاف

من البديهي ان تسعى بعض القوى السياسية، وغير السياسية حين تكون الظروف الموضوعية مؤاتية، الى تسلم السلطة السياسية في بلدها، يدفعها لهذا الأمر تحقيق أحد هدفين: اما لوضع برنامجها السياسي ونظريتها في بناء الدولة موضع التطبيق. والثاني - وهو الأعم الأغلب في أغلب بلدان العالم الثالث - محاولة طبقة إجتماعية مقهورة، او ربما حزب أو حتى عشيرة ما. كما هو الحال في بعض بلدان وسط افريقيا، في الإستحواذ على مقدرات البلد وثرواته لصالح هذه الطبقة او الحزب أو ربما لصالح مافيا حسنة التنظيم، تأخذ شكل تنظيم حزبي – عسكري، كما كشف لنا التاريخ القريب لبعض البلدان العربية ومنها العراق في زمن البعث.
وتقع تجربتنا العراقية الان في منتصف الطريق بين الخيارين اعلاه؛ فثمة رغبة لدى بعض القوى والأشخاص في بناء دولة حديثة حقا في العراق، وليس المقصود هنا ان تكون هذه القوى قوى سياسية بالضرورة وان الاشخاص المقصودين هم قادة سياسيون، وان كان دورهم سيكون متميزا ومؤثرا جدا، ان اختاروا هدف "بناء الدولة" بحكم نفوذهم السلطوي، بل المقصود هي القوى التي يجمعها هدف التغيير او هدف "بناء الدولة العراقية على أسس ديمقراطية حقيقية"، قوى اجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة، فيكون العالم والمفكر والكاتب والشاعر والفنان والمعلم والطالب والمهندس والفني هم بناة الدولة الحديثة، وليس على السياسي - صاحب السلطة – سوى وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ان كان هدفه بناء الدولة، والا فسنكون اقرب الى الحالة الثانية، ان لم نكن قد اقتربنا كثيرا منها، والشواهد على ذلك كثيرة ومؤلمة في أغلب الأحيان.
يمثل تشكيل الحكومة الحالية برئاسة السيد مصطفى الكاظمي فرصة لإختيار أي من الطريقين أعلاه؛ فهناك قوى سياسية تمتلك الكثير من أدوات الضغط (نواب، مال سياسي، تحالفات داخلية، علاقات خارجية، أذرع مسلحة، إعلاميين يزوقون طروحاتها، فضائيات حزبية) من أجل الحصول على مكاسب سياسية ما أمكن ذلك، ولا يعنيها موضوع بناء الدولة كهدف اساس لمسعاها في تكريس سلطتها. وفي المقابل تقف القوى الوطنية متمثلة ببعض القوى السياسية - على قلتها - ونشطاء المجتمع المدني الذين امتلكوا قوة تأثير لا يستهان بها، بعد مظاهرات أكتوبر، وبعض الكتاب والمثقفين من غير المتحزبين، الذين يسعون بأدواتهم الممكنة والمتاحة لبلورة رأي عام باتجاه بناء الدولة.
أعلم مدى صعوبة اتخاذ السيد الكاظمي لأي قرار "ثوري" يحد أو يقلص من نفوذ بعض القوى السياسية المتهمة بالفساد وإثارة النعرات الطائفية، لكن ثمة ما يمكن عمله بروية، ولكن بثبات وإصرار، ومنها العمل على إكمال قانون الانتخابات بجعله يستجيب لإرادة الشباب المنتفض، والعمل على إعادة تأسيس مفوضية الانتخابات لتكون مستقلة فعلا، كما ينص الدستور في المادة (102) والتخلص من بعض موظفيها الذين تطالهم تهم تزوير إرادة الناخبين بالانتخابات السابقة.
فقد حرصت بعض القوى السياسية، في كل الدورات السابقة، على جعل المفوضية اداة للوصول الى السلطة وليست اداة وجدت لتعكس فعلا إرادة الناخب وتمكينه من تغيير السلطة بطريقة حضارية دون اللجوء إلى العنف، كما قد يحدث إذا ما استمرت عملية مصادرة رأي الناخب بقانون يكرس الهيمنة الحزبية على مقدرات الدولة ومفوضية انتخابات، تمكن طلاب السلطة من السلطة.
كما يمكن أيضا للحكومة تقديم قتلة المتظاهرين إلى العدالة، وهذه الخطوة ستكون حاسمة في نيل الحكومة لثقة المواطن، فضلا عن إنها ستؤكد عزم الحكومة على إنفاذ القانون وتطبيقه على الجميع، وستحقق مطلب الردع ضد بعض القوى التي تحاول مصادرة القرار الوطني، فعادة ما تستثمر الحكومات بعض حالات انتهاك القانون من قبل بعض الجهات المتنفذة لتضرب ضربتها ضد الخارجين على القانون، مستفيدة من تبلور رأي عام مناصر لخطوتها التي سيكون من بين أهم أهدافها، تحقيق مبدأ الردع ضد أطراف أخرى، قد تنتظر ما سيكون عليه رد فعل الحكومة إزاء انتهاك القانون المرتكب، لتقوم بخطوتها التالية.
أمام كل معاول التحطيم للبلد يقف "بناة الدولة" من كتاب ومثقفين وبعض السياسيين القلائل وغيرهم بامكاناتهم البسيطة بمواجهة "طلاب السلطة"، كي لا تتكرر في تاريخنا وفي مستقبلنا خاصة، تجربة كتجربة نظام صدام ثانية، واذا لم ينجح "بناة الدولة" في كبح جماح "طلاب السلطة" فأمامنا ايام حالكة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي