رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2443

مع ضميري

الأربعاء - 8 نيسان( ابريل ) 2020

صالح الرزوق
  حاولت أن أتدلى بحبل من النافذة، لكن لم ينفع، كان قصيرا، ناهيك أنه ضعيف. وأخيرا فضلت أن أتسلل لبيت الجيران. ومنه هربت إلى شارع خلفي. وهناك يوجد عمود نور. للبلدية طبعا لكن لا يعمل. سياسة التقشف. كم يفيدنا التقتير من حيث لا ندري.  فقد استعنت بدرجة الرؤية الخفيفة، وهرولت بحثا عن منفذ للنجاة. كنت في الواقع أهرب من نفسي، أوبصراحة من ضميري. في الفترة الأخيرة تمادى معي كثيرا. كان يحاسبني على أقل هفوة كأنه رجل مخابرات أو محكمة تفتيش. ثم بدأ بالمواعظ حتى فاض بي الكيل. فقلت له بتذمر: هل أطمع أن تدعني و شأني؟.
نظر لي بحقد. ثم قال: غير ممكن.
وأردف: أنت تسيء لسمعتي.
وأدهشني هذا الرد. السمعة؟. من أين هذه الفلسفة؟. لا يوجد من يتهم الناس بتهم من هذا النوع. نحن في عصرالنووي والنانو ومركبات الفضاء. لو أنه معنا شخص ثالث لاتهمنا بالتخلف. وبحركة لا إرادية أسرعت نحو رف الكتب المزدحم. كان يحمل أكثر من طاقته مثل كل شيء في هذا البلد. نحن سيزيف هذا العالم الجائر. ونعيش بأسلوب كوميديا إنسانية إذا استعملنا لغة الأستاذ أونوريه. أقصد بلزاك. اخترت القاموس الجنائي، وألقيته في حضنه، وقلت له: هذا قاموس. ولو قلبت فيه حتى الغد لن تجد كلمة “سمعة”. 
رد باستهزاء: قاموسك غير قاموسي يا فالح.
وتفاقم الجدال، ثم نشبت بيننا معركة بالأيدي، واستفاد من أنيابه. للضمير أنياب تعض وهي مشحوذة مثل كلاب البرية. وتألمت منها كثيرا، وفقدت صوابي، وتصادف وجود مطرقة على الطاولة. ففي صباح هذا اليوم اقتنيتها مع لوحة لبيكاسو من سوق الخميس. هويت بها على رأسه، وعلى الفور مات. سمعته يعوي، ويستلقي على الأرض، ثم دار حول نفسه عدة دورات، وهمد. 
مات ضميري. قلت لنفسي وأنا أراقبه بذهول. هل يموت الضمير بهذه السهولة؟؟. وكان يسبح في بركة من الدم. وطبعا هذا ليس دمه. إنه دم الأخطاء التي ارتكبتها في هذه الحياة. ودب الرعب في قلبي، ولم أجد مفرا من الهرب. إنما حاولت أن أبدو طبيعيا. وكانت الخطة كالآتي: أن أثبت بعدي عن مسرح الجريمة. لنقل بزيارة صديق، أو التواجد بمكان مكشوف، ثم بزيارة بار، والتحرش بامرأة عمومية، واصطحابها معي. 
ولم أسترسل مع هذه الخطة،  فقد قاطعني ضميري بصوت بارد وقال: عبث. وسخ. حتى دليل براءتك وسخ.
فاجأني. الحقيقة أنه فاجأني. هل غاب عن رشده فقط ولم يلفظ أنفاسه. يبدو أن ضربتي كانت خفيفة، أو حديد المطرقة مغشوش، يعطل لكن لا يقتل. 
واستيقظت من أفكاري وقلت له: تبا. تبا لك. كم أنت عنيد.
وكنت على قارعة طريق رئيسي. ولكن كان الليل يهبط فوقه بباراشوت إلهي. ورأيت أن أستفيد منه. لا أحد يغلب ضميرك مثل الليل والشيطان. وبدأت أوسع من خطواتي. كل خطوة بطول متر أو اثنين. وكانت خطواتي تخبط فوق الأرض وتوقظ حتى العفاريت. بم. بم. بم. هكذا كانت تفرقع وتدوي. ولحسن الحظ أن متاهات المدينة من اختصاصي. فأنا أعرف كل مغارة فيها، وكل حفرة وخرابة، وهذا شيء طبيعي بالنسبة لمن يعشق بودلير ولوتريامون. أما هو كان يعيش في عالم من وحي خياله. يمكن أن تقول هو يعيش مثل حبر على الورق. من يسمع اليوم صوت تأنيب ضميره وينفذ؟..
*** 
ثم وصلت لنفق معتم. وآنست لهذه العتمة. يمكنك أن تذوب فيها بكل سهولة، وتتحول لأثر بعد عين. وقررت أن أنعم  بها. إنها هدية من السماء فلماذا أضيعها؟. هنا يمكن أن تتوارى حتى عن الكاميرات. وهنا قررت أن أضلله. ما دام هو حي لا داعي للشهود. 
لكن سمعته يهمس: وتريد أن تغشني أيضا؟..
كان هو. لا يزال معي. اخترق مثلي النفق وأوى لستار الظلام. وفارت أعصابي، وشعرت بالسخط، وبدأت أتلفت لأبحث عنه، إنما  لم  يكن مسموحا  لي أن أرى أبعد من أنفي. فالليل هنا أقوى من سياسة الستار الحديدي في أيام بريجنيف. 
زمجرت بحنق وقلت له: أين أنت. أين أنت أيها الأبله؟.
وأردفت: ألن تدعني وشأني؟..
ران صمت فظيع. ثم رد بصوته البارد: مستحيل. ضميرك مثل أنفاسك. ولن يفارقك..
كان صوته يأتي من الخلف، فاستدرت لمواجهته، وزجرته بقولي: أناني. سفاح. مجرم....
كرر النفق هذه الكلمات. مثل خفق أجنحة. مثل صيحة إنسان يطلب النجدة. ثم ران الصمت مجددا، وشعرت أنه لم يستسلم، وهو يرسم خطة ليوقع بي. لكن ما هي؟. هل أبلغ عنه سلطة الضمير؟. وسألت نفسي: لكن بأي تهمة؟. ثم لو فعلت سيأتي فوج التحقيق، ويغمرنا بنورالحقيقة، وربما أحترق بها. ولم أكن مستعدا لهذه التضحية. في الحياة أشياء بانتظاري، ولا تزال ألغازها تزدهر في القلب، وبدأت أفكر بطريقة للنجاة. هل أتوسل إليه؟. هذا لا يفيد. قلت لنفسي. فقلبه متحجر، اسأل من تشاء، سيقول لك: الضمير مثل الجزار. يؤجل ولا يهمل. وهكذا لم يبق أمامي إلا أن أتابع. مهما كانت التكلفة. حتى لو وصلت لبوابة الشعور الباطن. ثم ليكن ما يكون.... 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي