رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2443

التخلف اولا، التخلف اخيرا

الثلاثاء - 7 نيسان( ابريل ) 2020

محمد عبد الجبار الشبوط

لا يهمني كثيرا اسم رئيس الوزراء المقبل، اذا كان يفكر جديا بالتصدي للعدو الاساسي الذي يواجه مجتمعنا ودولتنا. وانا اكتب عن هذا العدو الاساسي منذ ثمانينات القرن الماضي، ولم تزدني التطورات المتلاحقة التي شهدها العراق الا ايمانا بصحة ما اقول، وخلاصته هو: ان التخلف هو المعضلة الكبرى التي يعاني منها العراق.
ومهما قال اي رئيس وزراء في برنامجه الحكومي، فاني ابحث في ثنايا ما كتب عن فقرة تقول: العمل على اجتثاث التخلف من المجتمع العراقي. للاسف لم يكتب اي رئيس وزراء هذه الفقرة منذ اياد علاوي، وانتهاء برئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي، مرورا بالدعاة الثلاثة ابراهيم الجعفري ونوري المالكي و حيدر العبادي. وفي عقيدتي انهم جميعا فاتهم تشخيص العدو الرئيسي والمعضلة الاكبر.
سابقى اكرر هذا الكلام حتى يصبح ذات يوم هدفا مركزيا للمجتمع العراقي: مكافحة التخلف في اطار اطروحة الدولة الحضارية الحديثة.
لكن بعض القراء يعترضون على هذا التشخيص ويطرحون بدائل اخرى مثل: مكافحة الفساد، مكافحة الفقر، مكافحة الامراض ... الخ. ولا اعترض على هذه العناوين وعلى غيرها مما شاكلها كالقضاء على البطالة وتحسين الخدمات الخ لانني بالاساس اعتبر هذه العناوين افرازات سلبية ونتائج عرضية للتخلف، ولا يمكن معالجتها قبل او دون معالجة التخلف نفسه. واليوم اريد ان أضيف شيئا اخر الى هذه المسألة. وهي ان معالجة اي مشكلة فرعية من هذه المشاكل مثل مكافحة الفساد، او القضاء على الفقر، او البطالة، او الجهل، او الامراض، الخ تحتاج الى جهاز بشري يتولى انجاز المهمة، تخطيطا وتنفيذا ومراقبة وتقييما. وطبيعي ان العمود الفقري لهذا الجهاز سوف يتكون من موظفين في ادارات الدولة  ذوي درجات وظيفية مختلفة. ولنفترض ان عددا محدودا من الاشخاص ذوي الذهنية الحضارية المتنورة وضعوا الافكار والمبادىء و الخطط والبرامج اللازمة لمعالجة اي من المشكلات الفرعية المطروحة.  طبعا لن تكفي الخطط الرائعة  للقضاء على الفساد المالي والاداري، ولن تنفع  الخطط الرائعة  لمعالجة الفقر ، ولن تنفع اية خطة رائعة للقضاء على اية مشكلة فرعية ما لم يتولّ  تنفيذها جهاز تنفيذي غير متخلف. وهنا اذكر القراء بتعريفي للتخلف وهو: الخلل الحاد في المركب الحضاري ونظامه القيمي. وعليه فان الاجهزة التنفيذية التي ستتولى خطط القضاء على الفساد والفقر والمرض والجهل يجب ان تكون مبرّأةً من التخلف بهذا التعريف. يجب ان تتألف هذه الاجهزة التنفيذية من اشخاص لا يعانون من اي شكل من اشكال الخلل في المركب الحضاري ومنظومته القيمية، اشخاص يتحلون بكل الصفات الايجابية المضادة للتخلف من الاخلاص والنزاهة والخبرة العملية  والتفاني في العمل  والمعرفة اللازمة والقدرة على الادارة الرشيدة واحترام القانون والحرص على الزمن وغير ذلك.  هذه الضرورة الاجرائية والتنفيذية تحتم ان تكون الخطوة التمهيدية التي ستسبق الخطوة الاولى في تنفيذ برامج القضاء على الفساد والفقر وغير ذلك هي اعداد فرق عمل حضارية، غير مبتلاة بالتخلف.  وهذه الخطوة التي ربما ستجري وراء الكواليس هي التي اطلقنا عليها عنوان مكافحة التخلف، انها الجيش الحضاري الذي سوف يتولى تصفية الافرازات الخارجية للتخلف مثل الفساد والفقر والجهل وغير ذلك.
حتى الانتخابات المبكرة لن تكون خطوة نحو الاصلاح السياسي ما لم نعالج قبلها التخلف  في السلوك الانتخابي للمواطن، واقصد به التصويت. فالمواطن الناخب الذي يعطي صوته لاعتبارات طائفية او عرقية او عشائرية او عائلية او شخصية او حزبية، مواطن متخلف، بالقياس الى ذلك المواطن الحضاري الذي يعطي صوته للبرنامج الأفضل.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي