رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2443

مــــطــــار.. خمس قصص قصيرة لـ نبيل عودة

الاثنين - 6 نيسان( ابريل ) 2020

بغداد ـ العالم
(1)
افقت لتوي من غفوة عابرة، تثأبت وتلفت حولي مستنجدا خيرا من الملامح المتناقضة للمسافرين.
مددت عيني طولا وسحبتهما عرضا، ويقيني يقول لي أن لا شيء جديد بعد، حشد من الخلائق عبرتهم بنظراتي المتحررة للتو من اسر النعاس وسلطانه وحرت اين استقر بنظراتي.
(2)
مددت أطرافي بقوة وتشنج، محاولا أن أصل لأبعد مما أستطيع، وأنا لا أدري ان كان ما يمر بي هو نوع من القلق ام الزهق لطول الانتظار.
كان الزمن يمر بطيئا مثقلا بالهواجس. وقد جفت ينابيع افكاري او كادت من معاناة الانتظار، الذي يبدو ان لا نهاية له.
للحظات تتجلى لي رؤى غريبة، فانفضها غير قانع، ومن حيث لا أدري، كان يتسرب لنفسي اكتئاب شديد، فأحاول التخلص منه بالتنقيب عن فكرة جديدة، تأخذني لأجوائها فأخوض لجة التأمل، فينشط فكري وينشغل، حتى نرى ما يكون من أمر هذا التعويق في وصول الطائرة.
ولكن اكتئابي وهواجسي كانت اقوى من رغبتي، فلم أعد أطيق صبرا لما أنا به فأخذت ابحث عن الصغيرين بعيني، دون أن أتحمس لمغادرة مقعدي الدافئ.
للحظة مرت في فكري آخر أحداث الطيران. نفضت الفكرة من دماغي عندما لمحت الصغيرين يلهوان بسعادة، يجران عربة الحقائب، أحدهما يدفع والآخر يركب، وتكاد قاعة الانتظار الفسيحة لا تتسع لسعادتهما المنفلتة، غير عابئين بما يدور من هواجس وأفكار، يصدمان الخلائق بالعربة، ويتابعان شيطنتهما دون حساب لأنس أو جن.
(3)
في المحادثة التلفونية قبل ايام، أخبرتني ان طائرتها ستصل الساعة الثالثة والربع بعد الظهر، حسب توقيتنا المحلي. في اليوم نفسه اتصلت مرتين مع استعلامات المطار للتأكد من عدم حصول تغيير في موعد وصول الطائرة. قبل خمسة ساعات غادرت البيت برفقة الصغيرين، اللذين لم يتنازلا عن مرافقتي رغم كل الاغراءات ومحاولة البرطلة لإبقائهما في البيت. حسبت ألف حساب لشيطنتهما وعبثهما. في الساعة الأولى لوصولنا لحقتهما وحثثتهما على الهدوء. وعدتهما بعشرات الهدايا الرائعة التي ستجلبها "ماما" إذا كانا طيعين لا يعذبان ويسمعان الكلام، والا لا شيء، يعودان كما جاءا بلا هدايا، وربما بلا "ماما" التي سترى شقوتهما وتعذيبهما لي من الطائرة، وتعود من حيث أتت. هذه الانذارات والتهديدات لم تنفع الا للحظات، عاد بعدها كل شيء الى أصوله الشيطانية. ركضت ورائهما من زاوية الى اخرى، مخبئا وجهي كلما صدما شخصا بعربة الحقائب المنطلقين بها على سجيتهما، متمردين على الأصول متحررين من الضغوط. منفلتين ثائرين.
- خزيتموني .. ماما اتصلت من الطائرة تقول انها لن تجيء .. وسترجع مع كل الهدايا .. مع الدب ومع القرد ومع سنوبي ومع ليلى الحمرا.
استمعا لي بصبر، نظرا بعيني بعض، وأخذت ملامح ضحكة ترتسم على شفاههما، ثم انفجرت ضحكاتهما التي لا تعرف حدود الوجل وأطار المنطق. جلجلت وصدحت بسعادة منفلتة من قلقي المبالغ وحساسيتي المفرطة لتصرفهما التي هي عين المنطق كما يريان. لعنت الاولاد والذي يخلفهم، واستسلمت امام اصرارهما ساحبا نفسي نحو شاشة الاستعلامات، للتأكد من جديد بان الموعد المقرر لوصول الطائرة لا يزال بلا تغيير.
(4)
الهيت نفسي بتأمل وجوه المسافرين وما تبوح به من تعابير. ملامح الوجوه تكاد تفصح عما في النفوس. تتجلى تعابيرها المتناقضة بين الوجل والسعادة. بعض الملامح هادئة ومستقرة، ومن تعابير وجوههم تعرف ان الطيران صار روثينا في حياتهم.
في رحلتي الاولى بالطائرة أصابني الوجل ساعة قبل الصعود الى الطائرة، وما انفك عني الا بعد هبوطها بساعة او أكثر، واليوم انا أكثر قوة، او ربما أكثر استسلاما. السفر بالطائرة علمني ان اواجه المجهول بشجاعة .. او ربما بلا مبالاة.
بحثت عن الصغيرين بعيني، فلمحتهما في آخر القاعة، يتبادلان ركوب عربة الحقائب. نظرت الى ساعتي مستعجلا تقدم الوقت، انتهاء الانتظار، انتهاء المعاناة من تصرفات الصغيرين.
(5)
أيقنت بيني وبين نفسي أنى بالغت في تقدير الوقت، فخرجت ساعتين أبكر مما يجب، وهذه نتيجة تسرعي احصدها مع شيطانين. حاولت العودة لتأمل تناقض الوجوه وملامحها متفاوتة التعابير، ضحكة خافتة جذبت أنظاري، فرأيت عناقا مستفحلا بين فتى وفتاة، يكاد الفتى يفترسها برغبة مفضوحة، وهي مستسلمة ضاحكة كالعصافير، لا هم ولا غم. أحاول أن أتذكر أيام فتوتي، والساعات الرومانتيكية، وأقارنها بالحالة التي أمامي. ظلال لابتسامة تريح قسماتي المتوترة من الانتظار الطويل وشقونة الصغيرين. بمرارة غير مفهومة أغطس في مقعد مريح. يمضي الوقت بطيئا. تشدني السيقان الوقعة في مستوى النظر فأطلق لعيني العنان. هل يليق بي أن أتأمل اللحم المكشوف؟ نشب عراك بين نظراتي المنطلقة على سجيتها، وراء ما انجلى من جمال التكوين وأسس البناء، وبين ما يعرف مجازا بالأخلاق، الذي يشجب ما انا فيه من متعة النظر مع سبق الاصرار لما يسمى مفاتن النساء. رفضت فكرة ان يكون ما اراه عورات يجب سترها. بعض الملابس تضيق عن استيعاب هذا العاج المتلألئ الوهاج. لوهلة يخيل لي ان بعض السيقان ولشدة فتنتها، تكاد تخرج من داخل التنانير. انتظرت ولم يحدث. ربما الملل مما انا فيه يدفعني للعودة الى سني المراهقة وتأمل السيقان ومفاتنها. بدأ بالي يخلو شيئا فشيئا. أفكاري تخلو من الصراع وانا امارس على سجيتي اكتشاف عالم النساء الكامن في الطبقات المنخفضة، وبعدها لا أدري كيف .. أخذتني غفوة سلطانية تحت ظلالها.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي