رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2443

أنا معمار.. أنا أقرأ..

الخميس - 2 نيسان( ابريل ) 2020

محمد الصوفي
حديثي هنا لا يغني ممارسي القراءة ومدمني الكتب وجيدي الاطلاع المعتادين، لانه سيبدو لهم بديهيا جدا، هو موجه الى من يملك الرغبة والحاجة للقراءة، لكنه يعجز عن تثبيتها كعادة، او يقف مشوشا امام كثرة العناوين دون ان يعرف طريق البداية. بشكل اخر، هو موجه الى الفتى الذي كنته، والى من يمر او سيمر بحاجته ذاتها، وخصوصا من طلاب الهندسة المعمارية. لذا، فاني سأقترح هنا بعض العناوين الاساسية والملهمة، التي كنت سأسعد لو نصحني بها احدهم يوما، بوقت مبكر، لكنها ستستثني العمارة والفنون، باعتبار ان العملية التعليمية هي التي ستتكفل بهذا الجزء، او من المفترض ان تقوم بذلك!
تقام كل سنة تقريبا فعالية لطيفة اسمها: “انا عراقي.. انا أقرأ”، وهدفها - كما هو واضح من العنوان - التشجيع على القراءة كعادة مهمة لنشر المعرفة، الثقافة، ازالة الجهل، والتسلية ايضا. بدأت في بغداد على يد ناشطين وكتاب وقراء، ومن ثم لاقت انتشارا جيدا في محافظات اخرى. هل يوجد داعي لشرح اهمية القراءة وفوائدها العديدة؟ من حيث التعليم وزيادة المعرفة، تنشيط الذهن، التحفيز على الابداع، تحسين الذاكرة، اضافة لمقاومتها للاكتئاب وتطوير لغة القارئ، وبالتالي قدرته على التساؤل والحوار، وما يصاحبها من تطوير الذات وكسب احترام الاخرين وتكوين علاقات اجتماعية ومهنية افضل، والخ.
لا يقل الامر اهمية عند المعماريين، سواء طلبة او ممارسين، اذ ان هذه المهنة تتطلب - اكثر من غيرها ربما - مزيجا اكثر تنوعا من العلوم والمعارف والثقافات، بسبب تداخلها المعقد مع انماط الحياة. وعدا التخصصات الفرعية فيها، بالأعمال التي تعتمد على الحساب والتكنولوجيا اكثر من غيرها، كالإظهار، الرسومات التنفيذية، وما يخص الانشاء والادارة، فان تفرعاتها الاخرى تستوجب فهم المشاكل، سواء الحضرية او المعمارية، ومن ثم السعي لايجاد حلول مبتكرة تتناغم مع عدة محددات سياسية واقتصادية واجتماعية، ونفسية ربما.
تاريخيا، لم تخل مسألة تعليم المعمار عن الدفع نحو اكتساب هذه الرؤية البانورامية للعالم. فمنذ القرن الاول قبل الميلاد، كتب المعمار الروماني فتروفيو في ما يعرف بالكتب العشرة في العمارة (De Architettura)، وجاء في فصله الاول الذي حمل عنوان ”تعليم المعمار“ على ضرورة ان يكون المعمار: ”متعلم، ماهر باستخدام القلم، يعرف الهندسة، مستوعب لدروس التاريخ، مصغي للفلاسفة، يفهم الموسيقى، يعرف القليل عن الطب، ملم باراء الفقهاء، ومطلع على الفلك وعلوم السماء“. ورغم مرور اكثر من الفي سنة على ما كتبه فتروفيو، الا ان بعضا من كلامه لا يزال صالحا.
معمار اخر كـ بيتر ايزنمن، في مقابلة اجريت معه (2012)، وجه نصيحة مشابهة لمن يرغب بدراسة العمارة: اولا، بأن لا يدرس العمارة اصلا (لضعف مكافآتها مقارنة بالجهود المطلوبة)، وثانيا، بأن يدرسها كـ (Graduate)، بعد ان يكون قد درس تخصص اخر كـ (Under Graduate)، ليفتح لنفسه افاقا اخرى تساعده على فهم الحياة، كاللغات، التاريخ، الفلسفة، الآداب، او الفنون عامة. ورغم ان كلامه يشمل النظام التعليمي الامريكي، لكن بمقدورنا فهم المغزى المراد منه، وهو التوجه نحو تأسيس ثقافة عامة مع المعرفة المعمارية، كي لا تكون نظرتنا احادية الجانب.
في سيرة المعمار البرازيلي اوسكار نيماير، يٌذكر بانه اعتاد في مكتبه على استضافة محاضرين مختصين بمجالات متنوعة، من العلوم الطبيعية والكون الى العلوم الانسانية، وحتى للأحياء المجهرية. وكانت تلك المحاضرات تٌلقى كل مدة بشكل دوري، ليطلع موظفوه وفريق عمله بشكل مستمر على مستجدات العالم ومشاكله وتحدياته، من عدة زوايا.
والان، بعد هذه المقدمة التي لا بد منها، سأبدأ بطرح العناوين التي ارى انها ستكون ذات فائدة كبيرة للقارئ الجديد، خصوصا ان مناهج المدارس لا يعول عليها لأسباب يطول شرحها. اول عنوان سأنصح به هو رواية ملائكة وشياطين لـدان براون. السبب؟ رغم ان وصفه لروما ميكانيكي بعض الشيء ويخلو من الشاعرية التي تستحقها تلك المدينة الخالدة، لكن ما لا يعرفه الكثيرون، ان مشكلة القراءة لا تقتصر على صعوبة اختيار العناوين فقط، وانما بشكل اكثر - بتقديري الشخصي - على تكوين طقس وعادة القراءة نفسها، وما يصاحبها من سلوكيات وعمليات تكيف ذهني وبدني. فالقارئ المبتدئ ربما سيواجه صعوبات بالجلوس والتركيز، او ضياع في الاسطر، كأي مصاب بالـ (ADHD: اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط)، الا انه ايضا سيعاني من تشنجات في الرقبة، الام في مفاصل اليد، خدر في الكتف، وتوتر في الساق احيانا وغير ذلك، اثناء محاولته لترويض الكائن الجديد والخطر الذي يمسك به بين يديه (الكتاب).
ولان تعميم النصائح غير ممكن، فاني استذكر ما ينسب لمدرب كرة القدم الاسطوري هيلينيو هيريرا، حيث عرف عنه عدم فرض عمليات احماء معينة على لاعبيه قبل التمرين، بل كان يعطيهم وقتا محددا ويطلب منهم العودة وهم جاهزين، لاعتقاده بان من واجب كل لاعب هو معرفة جسده جيدا ليقوم بتلك المهمة.
وبالتالي، فان خوض تجربة طويلة نسبيا مع كتاب مشوق بحجم ملائكة وشياطين، قد يساعد على قطع اشواط نحو تعرف القارئ إلى جسده اكثر بهذه الفعالية الجديدة، ومن ثم خلق الاجواء المناسبة حسب راحته وذوقه، كاختيار نوع الموسيقى (او غيابها)، وجود مشروب معين، درجة الانارة، وضعية الجلوس او الاستلقاء، وما الى ذلك.
واخيرا، بخصوص العناوين البقية التي سأذكرها في الاسفل، اود ان اوضح بان القائمة غير متجانسة ابدا، ولكنها شاملة بعض الشيء وعنقودية ايضا، اي انها ممكن ان تنشطر وتكبر بعناوين فرعية اخرى، سواء مذكورة داخلها او متصلة بها.
البداية ستكون من البداية المزعومة (Big Bang): (تاريخ اكثر ايجازا للزمن - ستيفن هوكينغ)، (سحر الواقع - ريتشارد دوكنز)، (العاقل - يوفال هراري)، (الانسان الإله: موجز لتاريخ المستقبل - يوفال هراري)، (قصة الفلسفة - ويل ديورانت)، (عزاءات الفلسفة - الان دو بوتون)، (الحداثة وما بعد الحداثة - سيمون مالباس)، (الحداثة السائلة او: الازمنة السائلة - زيجمونت باومان)، مؤلفات علي الوردي، (واخص منها مهزلة العقل البشري)، (مدخل الى علم السياسة - بطرس بطرس غالي ومحمود عيسى)، (دروس مبسطة في الاقتصاد - روبرت ميرفي)، (مبادئ لمجتمع حر - نايجل اشفورد)، (المثقف والسلطة - ادوارد سعيد)، (المثقفون في الحضارة العربية - محمد عابد الجابري)، (مالذي نستمع اليه في الموسيقى - آرون كوبلاند)، (علم النفس التطوري - دافيد باس (او عنوان اخر اصغر حجما بهذا الخصوص))، (المعلومات - لوتشيانو فلوريدي). وبالطبع كل ما يلهم ويثير الفضول، يسلي النفس ويغني المعرفة من الاداب. وتحيزي لايطاليا يدفعني لختام القائمة برائعة ايتالو كالفينو: مدن لا مرئية.
رغم وجود وسائط اخرى مرئية ومسموعة ذات فائدة عظيمة للتعلم، الا ان الكتاب هو الكتاب. من دون قراءة، لا سبيل للمعرفة، ومن دون معرفة، فان نتاجاتنا باهتة، افكارنا خاوية، حلولنا احادية الفعالية، وحواراتنا وآراؤنا هي مجرد ثرثرات، لا تصلح الا للمقاهي.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي