رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 1 حزيران( يونيو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2443

طائفية ساسة العراق وعنصريتهم

الأحد - 29 اذار( مارس ) 2020

رياض سعد
(الحلقة الرابعة) 
(عبد المحسن السعدون)
عبد المحسن السعدون كان لا يحترم مقام المرجعية الدينية، ولا يعير اي اهتمام لمشاعر الاغلبية العراقية, بل قام متحديا مشاعرهم بمحاصرة مدينة الكاظمية بقوات عسكرية مكثفة... عندما اراد اعتقال الشيخ الخالصي، وبعض رجال الدين؛ فقد كانت تسيره الطائفية الرقطاء والعمالة للإنكليز. ولو كان وطنيا شريفا لتفادى هذا الصدام الوطني وعمل على رأب الصدع واقناع رجال الدين الشيعة الذين رفضوا العمالة جملة وتفصيلا، والتحاور معهم بالتي هي احسن, مثلما فعل مع ابن طائفته الشاعر معروف الرصافي، الذي اغضب الحكومة والملك فيصل آنذاك وتوسط له وارجعه من بيروت، ودفع كل نفقات السفر من جيبه، او من خزينة الدولة, وجمع بينه وبين الملك فيصل واصدر عفوا بشأنه...؛ انظروا الى طائفيته المقيتة يبذل الجهود الحثيثة لإرجاع الرصافي المعارض والذي كان يتمتع بالصحة والقوة والشباب، بينما يهجر الشيوخ الكبار والعلماء الطاعنين بالسن. وكان باستطاعته احتواؤهم بأكثر من طريقة، لكنها العمالة والحقارة الطائفية والغباء العنصري: 
أبت الحقارة أن تفارق أهلها .. وأبى الحمار أن يكون غزالا 
واليك هذه القصة، وانظر الى المفارقات بين الحدثين, فقد افرجت الحكومة الطائفية الظالمة عن القاتل الشيخ عبد الله الفالح السعدون، الذي قتل عبد الله الصانع ابن احمد باشا الصانع - مدير الداخلية العام -؛ اذ تقدم الصانع لطلب يد بنت عبد المحسن السعدون للزواج منها؛ الا ان الرد كان عبارة عن اطلاقات نارية في صدر الصانع، اردته قتيلا، وفي مكتبه الحكومي وفي اثناء الدوام الرسمي. والسبب الذي دعا الشيخ عبد الله السعدون لقتله كما يقولون: عدم التكافؤ بين العائلتين...!!!، علما ان المقتول صديق عائلة السعدون، ومن نفس الطائفة وجذور عشيرته ايضا ترجع لنجد... ودخل السعدون السجن معززا مكرما، ولمركزه وكبر سنه، فقد اصدرت الحكومة عفوا خاصا بعد قضائه مدة يسيرة في السجن، بينما يموت الشيخ الوطني الكبير مهدي الخالصي في الغربة، وعندما رجع ابنه الشيخ محمد الى ربوع الوطن خفية، سفروه وهجروه مرة اخرى..!
وبعد انتهاء هذه المهمة الاستعمارية وتنفيذ ما طلبه الانكليز, قدم استقالته السعدون, ليبدأ فصلا جديدا من فصول المسرحية البريطانية الطويلة.
وفي عام 1924 ثار الشيخ سالم الخيون زعيم عشائر بني اسد، والذي كان يلقب بـ(الباشا) والذي يعد من الشيوخ الاصلاء الذين ورثوا الزعامة كابرا عن كابر, ضد الانكليز والحكومة الطائفية العميلة الجائرة. وكان عبد المحسن وقتها وزيرا للداخلية في تلك الحكومة, وفي أوائل كانون الأول 1924 ألقت الحكومة إنذاراً بواسطة الطائرات نصه: (بناءً على عصيان الشيخ سالم آل خيون فإنّ قرية الجبايش ستدمّر من الجو غداً وعلى كافة أهلها أن يتركوها وينجوا بأرواحهم)...!!
فأرسل وزير الداخلية في حينها عبد المحسن السعدون، أربع طائرات قصفت مضيف الشيخ وبيته وأحرقتهما، واحتلت الشرطة قلعة (العكَبة) العائدة للشيخ سالم وهدمتها. وبالرغم من مقاومة الشيخ وأسرته للطائرات ببنادقهم، فإنهم اضطروا للاختفاء في الأهوار. وقام عبد المحسن بتشكيل قوة كبيرة من الشرطة، وهاجمت الثوار الاحرار، ونجحوا في ذلك بمساعدة الانكليز, واحتلت الشرطة قلاع الشيخ كافة. وفي 6 كانون الأول 1924، أنشأت مخفراً للشرطة في موضع مضيف الشيخ سالم الخيون، وهكذا اضطر الشيخ إلى تسليم نفسه في القرنة، ثم ألقي القبض على أخيه غضبان، وأُجريت محاكمتهما أمام المحكمة الكبرى في البصرة بتاريخ 4 تشرين الأول 1925 فحكمت على الشيخ سالم بالحبس مدة ثلاث سنوات، ووضعته تحت مراقبة الشرطة مدة سنتين، وعلى أخيه غضبان بالحبس مدة عشرة أشهر، وتمت مصادرة اراضي الشيخ سالم الخيون. وبعد هذه الاجراءات الجائرة والتعسفية والتي تهدف الى افقار وتهميش الأغلبية العراقية وسحق زعماتها وقياداتها ورجالها، بغض النظر عن توجهاتهم, تدهورت احوال الشيخ الباشا سالم الخيون المادية وافتقر وفقد جزءا من نفوذه؛ فقررت الحكومة السارقة الفاسدة الطائفية آنذاك بالتصدق عليه ومحاولة اذلاله, وذلك من خلال أن عينوا له راتبا شهريا مقداره 500 روبية فقط، ومشروطا بعدم النشاط السياسي. وهذه الاجراءات تكشف طبيعة القوم فهم جاؤوا منذ البدء بسياسة: (الفلوس وكص الروس)، كما يعترفون هم انفسهم بذلك. ونظم الشاعر الملا عبود الكرخي بتاريخ 4 حزيران 1925، قصائد شعبية بعنوان "الدر المخزون في مدح سالم الخيون", اذ قال:
فليحيا زعيم الحضر والبدوان ...... فليحيا الغضنفر (سالم الخيون)
خلد إله التاريخ أحسن الآثار ...... انتشرت بكل الملك والأقطار
أظهرت الصداقة للعراق وود ...... ومن طبع البشر لازم حسود وضد
حولك موج منايا وخوف ......  ألقيت الرعب يا ليثها بكل جوف
كلبك ما يخاف من المنايا وصار ...... ويذل من سطوتك طاغي والجبار
كل الفخر صاير للعراقيين  .......  بعد أن كانوا بشده وميئوسين
احنه نفتخر بيكم على الاجناب .......  انت (الأسدي) أطيب الأنساب
القصائد كثيرة والنصوص طويلة، ودلالتها واضحة، فكلها تشير الى ان شيوخ عشائر الاغلبية العراقية كانوا مع العراقيين يأوي اليهم الهارب من اجراءات العصابة الطائفية العميلة. ويعيش بينهم الدخيل الذي جزع من ظلم الاستعمار واذنابه, فهم اضحوا كهفا امينا وحصنا منيعا للثوار والاحرار المناهضين للإنكليز وعملائهم الطائفيين المجرمين. 
تكشف لنا هذه النصوص عن استباحة الاغراب والاجانب للعراق، بينما ابناؤه الاحرار الكرام اصابهم العوز والفقر بعد سياسيات الافقار والتهميش والاقصاء ونهب الثروات. وكل هذه الجرائم التي حصلت كانت بسبب هذا الطائفي العثماني القذر عبد المحسن، ومن لفّ لفّه من الفئة المارقة. 
وبعد تشكيل وزارة العميل عبد المحسن السعدون الثانية في 26 حزيران 1925، بدأت تحاك خيوط مؤامرة جديدة لضرب استقرار العراق الهش، ولترسيخ الطائفية والعنصرية بصورة أوسع واكثر من ذي قبل، وللضغط على الملك فيصل الذي اراد التخفيف من تطبيق المخططات الاستعمارية البريطانية الهادفة الى نهب ثروات العراق وسحق الاغلبية العراقية وتثبيت مبدأ الاقلية الحاكمة والطائفية السياسية. 
في يوم 20 آب 1925، اجتمع عدد من الشخصيات المارقة كان بينهم، طالب النقيب ومحمد أمين باش اعيان، وعبد الكريم السعدون شقيق عبد المحسن، مع ملاك اراضي آخرين في قصر باش اعيان في البصرة، لتمزيق العراق من خلال تحويل البصرة الى اقليم شبه مستقل يسيطر عليه طالب النقيب, وايضا الانقلاب على الملك فيصل، وتحويل العراق الى جمهورية دكتاتورية طائفية اجرامية، ترتبط بالمستعمر، وتنفذ اجنداته الخبيثة والخطيرة بلا تردد. وقد دعم الانكليز هذا التوجه وقتذاك، من اجل الضغط على الملك فيصل للقبول بالاوامر البريطانية كافة وبلا نقاش.
ولغض الطرف عن المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تتعرض لها الاغلبية العراقية, وإزاء ذلك كله، فقد كان الملك فيصل الأول قلقاً أشد القلق من عبد المحسن السعدون الذي كان يتمتع بثقة دار الاعتماد البريطاني ويستمد نفوذه منها مباشرة؛ إذ بدأ يشعر بأن ذلك يهدده ويجرده من نفوذه، كملك ويجعل من السعدون وسيطاً له في حل ما يقع من خلاف بين دار الاعتماد البريطاني والبلاط الملكي؛ فالسعدون عبد المحسن كسلفه عبد الرحمن النقيب ينافس الملك فيصل في العمالة والانبطاح للإنكليز. فقد كان العميل الطائفي عبد المحسن السعدون موضع ثقة السير هنري دوبس ـ المندوب السامي البريطاني ـ مثلما كان عبد الرحمن النقيب، موضع اعتماد السيد برسي كوكس من قبل . كان الملك فيصل يشعر انه واقع بين نارين؛ نار الفرقة المارقة المدعومة من الانكليز المتشبثة بالسلطة والمستحوذة على ثروات العراق، ونار المعارضة العراقية الشعبية العارمة، والرافضة لتلك السياسات الظالمة والمعاهدات البريطانية العراقية المذلة. وبقي في حيرة من أمره، لا يدري ماذا يفعل!, وكيف يرضي المندوب السامي البريطاني والفئة السياسية المارقة، ويرضي الشعب العراقي في الوقت نفسه؟ اذ تحولت الطغمة المارقة الى (سكين خاصرة) بظهر الملك فيصل وسيفا مسلطا عليه...؟!
ومنذ ذلك الوقت اضمرت العصابة المارقة الملعونة الشر ضد الملكية, وتحينت الفرص للانقضاض عليها, وتبديلها بما هو شر منها, وقد تم لهم ذلك في عام 1958 بإعلان عهد الجمهوريات الطائفية القبلية الغريبة الاجرامية الدموية ليبدأ العهد البريطاني الامريكي الذي هو اشد فتكا وبطشا مئات المرات من العهد الملكي المنصرم. 
اراد عبد المحسن السعدون الانفراد بالقرار الحكومي والاستحواذ على منصب رئاسة الوزراء من دون تدخل الملك فيصل الذي طالما نادى بإنصاف الاغلبية العراقية وباقي مكونات الامة العراقية المهدورة حقوقها بسبب سياسيات الاقلية المارقة العثمانية البريطانية؛ لذلك تمنى تحويل العراق الى جمهورية كي يستفرد بالعراق, وتخلى الاجواء له: يلعب بمقدرات العراقيين ـ كيفما يشاء ـ ومن دون حسيب ولا رقيب، كما حدث ذلك في ما بعد في جمهورية البعث التكريتية العفنة. وقام عبد المحسن بتأسيس حزب التقدم الذي اراد منه ان يكون اداة طيعة بيده، لتحقيق مآربه السياسية الخبيثة، وسرعان ما تبخر هذا الحزب، كأنه لم يكن حين لقي عبد المحسن مصرعه، واغلب الذين انتموا للحزب السعدوني البائس؛ طمعا بحصولهم على مكاسب مقابل انضمامهم إلى "حزب التقدم" مثل التعيينات الوزارية والإعفاء من الضرائب وما شابهها من الامتيازات الأخرى، وعلى سبيل المثال فإن وفداً من شيوخ العشائر يقودهم عضوان من الهيئة الإدارية لـ"حزب التقدم" هما محسن أبو طبيخ وكاطع العوادي، قد أعربوا إلى المندوب السامي عند مقابلتهم له يوم 31 تشرين الأول 1925، عن عدم قناعتهم بحزبهم "التقدم" واستيائهم ورغبتهم في تشكيل حزب جديد، بعد أن وجدوا أن دعمهم للحزب قد استغل فقط من قبل الوزراء لمصالحهم الشخصية، وأنهم مستمرون في الاعيبهم التي جعلت رجال العشائر ضد شيوخهم...؛ وظهرت حقيقة عبد المحسن السعدون حتى لأعضاء حزبه وعرفوا طبيعة شخصه وجوهر معدنه ومخططاته لتفتيت بنية المجتمع العراقي وتمزيقه من خلال الدسائس السياسية والمؤامرات الشيطانية, ما أدى الى ظهور بوادر الانقسام والانشقاق لبعض أعضاء "حزب التقدم" ونشر الدعاية ضدهُ، متهمين رئيس الحزب عبد المحسن السعدون، بأنه يتعامل معهم بأسلوب أوتوقراطي متعالٍ، بينما يتعامل بأسلوب متذلل مع مقر المندوب السامي والبلاط الملكي، فضلاً عن اتهامهم لمعتمد "حزب التقدم" أرشد العمري، بأنه كان يملأ عليهم ما يجب عمله املاءً، فلم يرقهم ذلك ان يكونوا آلة صماء بيد رئيس الحزب ومعتمده حسب قولهم. كل هذه العوامل وبالإضافة الى الازمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد، والتي وجه الملك الرسائل في اثنائها الى عبد المحسن لإيجاد الحلول الناجعة، الا انه فشل في ذلك، فهو لا يعرف الاساليب العصرية للنهوض بالبلاد على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والصحية... 
نعم، هو يعرف اساليب العسكر في البطش والقتل والفتك بالمعارضين والعراقيين ويتقن مؤامرات الطائفية والعنصرية فقط لا غير. واتسعت المعارضة داخل قبة المجلس النيابي العراقي ضده، ما اضطره الى تقديم الاستقالة رغما عنه.
فمن المعروف عنه انه لا يفسح المجال للمعارضة النيابية وغيرها التي تقودها الشيعة, فعندما حاول نائبا المنتفك (الشيخ محمد باقر الشبيبي .. والسيد عبد المهدي) تأسيس حزب سياسي في آب 1925 ثار وغضب عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء.. واتهمهما إنهما مفسدان، يريدان بث التفرقة بين السنة والشيعة.
الواقع، إن اتهامه هذا لا يمت الى الحقيقة بصلة.. إنما الدافع الصحيح من وراء هجمته تكمن في خوفه من عودة المعارضة الشيعية.. وهو ما عبر عنه السعدون في كتاب أرسله الى الملك فيصل الأول يقول فيه: (كنتُ عرضتُ لجلالتكم في السابق.. إن بعض نواب الجعفرية ساعون لتأسيس حزب سياسي.. وتوسيع اشتراكهم في إدارة الحكومة.. والان قد حصلت لي القناعة أن في هذه التشبثات ما يوجب القلق)؛ جاءا من نفس المنطقة التي هاجر اهله اليها من صحاري الجزيرة كما يدعون, لكنه رفض طلبهما العادل والمشروع؛ فهؤلاء لو عاشوا بين العراقيين الف عام، تبقى قلوبهم حاقدة سوداء وتبقى مشاعر الغربة والتوجس تتحكم بنفوسهم المريضة .
السعدون يعيش القلق في حال اخذت الاغلبية العراقية مواقعها الصحيحة في ادارة الدولة, ويخشى من تحقيق العدالة الاجتماعية, ويتوجس خيفة من اقرار مبدأ المساواة السياسية في ادارة الحكومة, لأنه ذو عقلية طائفية ضيقة، ولان هذه الفئة المارقة تتحسس من كل أمر، قد يصب في مصلحة العراقيين، ولو بصورة غير مباشرة؛ لذلك تراهم يكرهون ايران كرها مبالغا فيه، سواء أكان الحكم فيها ملكيا او جمهوريا, علمانيا او اسلاميا. لا لشيء سوى انهم يرون فيها الثقل الاكبر الذي ينتمي لنفس مذهب الاكثرية في العراق، مما يؤرق ليلهم الطائفي البهيم.  وفي عهده الاسود تم اعتقال عشرات من قادة المعارضة المدنية, وضرب الطلبة المتظاهرون بالنار, وجرى التضييق على الحريات الصحفية واغلاق بعض الصحف، بغية كتم الأصوات الوطنية المطالبة بتعديل بنود المعاهدة البريطانية العراقية، بما يتفق ومصالح الشعب والوطن واحقاق الحق، بما يخص حقوق الاغلبية وباقي مكونات الامة العراقية.. وأجرى الانتخابات بأسلوب غير قانوني، وسط تهديد السلطة وإجراءاتها الإرهابية، ووسط معارضة ظلت مستمرة.
يتبع..

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي