رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 23 شباط ( فبراير ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2380

"حدود من رمال".. كيف تشكلت خارطة الشرق الأوسط عبر صراع بريطاني ـ فرنسي

الأحد - 19 كانون الثاني ( يناير ) 2020

ترجمة/ الدكتور جاسم الهاشمي

 

"خط أسود فوق خريطة صماء، قسّم الشرق الاوسط من منتصفه، دون أي اعتبار للتوزيع القبلى والعشائرى، أو الانتماءات الدينية والعرقية". هكذا يصف الكاتب البريطاني جيمس بار، اتفاقية سايكس بيكو، في كتابه (حدود من رمال)، الذي بذل فيه مجهودا بحثيا، وثائقيا كبيرا، في متابعة خيوط الصراع بين بريطانيا وفرنسا من اجل السيطرة على منطقة الشرق الاوسط، والتي تفتت دون رغبة سكانها. وما زال هذا التقسيم المقسم، يتهدد استقرار شعوب الشرق، بتفاقم المشاحنات والعداء المستمر، بسبب تلك الخريطة المشؤومة التي ما انفكت منذ 104 أعوام توّلد مزيدا من الغضب.
المحرر 

هذا الكتاب يحمل اسم (à line in the sand) والكاتب James barr  هو من شباب اوكسفورد. يمثل كتابه وجهة نظر الشباب الإنجليز لتاريخ المنطقة الحديث.
الترجمة بلا تزيين ولا تعريب، كما هي. وقد تعمدت الحفاظ على الاسماء والنصوص المهمة بلغتها الانجليزية. انما هناك ساحة، ولاعبون وجماهير مشاهدة.
المترجم

الحلقة الاولى 

الصراع البريطاني الفرنسي للسيطرة على الشرق الأوسط
في صيف 2007 اعترضتني جملة في واحد من التقارير غير المصنفة للحكومة البريطانية أثارت دهشتي. كتبها ضابط في الأمن البريطانية mi5, في العام 1945، ولم تنشر حتى الآن, حلت لغزا محيرا للحكومة. من كان يمول الإرهابيين اليهود الذين كانوا يحاولون إنهاء سلطة بريطانيا في فلسطين؟ كان ذلك الضابط قد عاد للتو من سفرة إلى الشرق الأوسط, وأعطى جوابا للسؤال المحير: يبدو أن الإرهابيين, هكذا كتب في تقريره, يتلقون الدعم من فرنسا.
    ويضيف انه قام بالحديث مع زميله في المخابرات البريطانية mi6 وعلم منه: "نحن نعلم من مصادر سريةtop secret أن المسؤولين الفرنسيين الرسميين في المشرق يبيعون الأسلحة سرا إلى (الهاجانا - ميليشيا يهودية) وقد وصلتنا تقارير حديثة، تفيد أنهم ينوون إثارة الفتنة داخل فلسطين". وبكلمات أخرى, بينما كان البريطانيون يحاربون ويموتون من أجل تحرير فرنسا، نراهم اليوم وهم حلفاؤنا، كما يفترض, يقومون بدعم الأعمال اليهودية لقتل الجنود البريطانيين والمسؤولين الرسميين في فلسطين.
   تحرك فرنسا فوق العادة، بلغ الذروة في تصعيد الصراع، للسيطرة على الشرق الأوسط، والذي كان سائدا منذ30 عاما. في 1915 حاولت بريطانيا وفرنسا - وهما حليفان حتى الآن ـ أن يحلا التوترات التي يثيرها الطامعون في المنطقة. في اتفاقية ـ سايكس بيكو ـ السرية، تقاسموا أواسط الشرق الأوسط من شرق الإمبراطورية العثمانية، عبر خط قطري diagonal على الرمال، يبدأ من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة الحدود الجبلية لإيران. شمال هذا الخط الاعتباطي يذهب إلى فرنسا، ومعظم الجنوب لبريطانيا, فالطرفان لم يتفقا على فلسطين، ولا على الحل الوسط بإخضاع فلسطين لإدارة دولية - الأرض المقدسة ـ القدس.
    هذا النوع من الحلول الناقصة، كان سائدا في القرن التاسع عشر من اجل بناء الإمبراطوريات, لكنه كان لا يتمتع بسمعة شعبية عندما وقعت اتفاقية سايكس - بيكو. زعيم الناقدين لها كان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسنWoodrow  Wilson .
عندما أعلنت امريكا الحرب على ألمانيا في 1917 انتقد الاستعمار الأوروبي، واقترح أن تشهد نهاية الحرب السماح للأفراد والشعوب التي لا وطن لها، أن تختار مصيرها.
    في مثل هذه الأجواء الجديدة، صارت بريطانيا بحاجة إلى قواعد جديدة للمطالبة بنصف الشرق الأوسط. هي مسيطرة حاليا على مصر، فإذا ما أعلن دعمهم للطموحات الصهيونية, وهذا ما اكتشفوه, فسوف يجعل فلسطين دولة يهودية, ويأمنون الخاصرة الشرقية المكشوفة لقناة السويس، بينما يتفادون الاتهامات بأنهم يقضمون المساحات الأرضيةland- grabbing. وما كانت تبدو في ذلك الوقت طريقة، عبقرية لكبح المؤامرة الفرنسية، كانت لها نتائج مدمرة منذ ذلك الحين.
   كانت بريطانيا على علم بأن مثل هذه الخطوة ستشكل خطرا عليها في كل العالم الإسلامي, لكنها كانت واثقة من إمكانية السيطرة عليه. يعتقدون أن العرب سوف يدركون المنافع الاقتصادية لهجرة اليهود, وان اليهود سيكونون دائما ممتنين لبريطانيا لمساعدتهم في تحقيق حلمهم. كلا الافتراضين كانا خاطئين. محاولات بريطانيا لإبطاء التغيير وتمريره بنعومة والمحافظة على السلم, أثار حفيظة اليهود. 
    وتحت بند الانتداب - الوصاية mandates - لعصبة الأمم – league of nations- هيمنت بريطانيا على فلسطين  وشرق الأردن والعراق، وهيمنت فرنسا على سوريا ولبنان. القوتان يفترض بهما أن تدفعا تلك البلدان الناشئة إلى الاستقلال السريع. لكنهما أبطآ خطاهم. غضب العرب وهم يرون الوعود بالحرية سرابا. 
تبادل البريطانيون والفرنسيون اللوم بسبب المعارضة التي  يواجهونها نتيجة لسياساتهم. وكل طرف أبى ان يساعد الآخر في مواجهة المعارضة، لمعرفتهم بان ذلك يقلل من شعبيتهم. ولعامين تقريبا في 1920 تجاهل البريطانيون طلب الفرنسيين بإيقاف الثوار rebels الذين يقاتلون القوات الفرنسية داخل سوريا، قادمين من قواعد لهم في شرق الأردن المجاورة التي تسيطر عليها بريطانيا. فرنسا بدورها هزت كتفها بلا مبالاة إزاء طلب بريطانيا على العرب الذين يتخذون من سوريا ولبنان ملجأ في تمردهم داخل فلسطين في النصف الثاني من الثلاثينات.
ونظرا لافتقارهم لأي دعم من الجيران عمد البريطانيون والفرنسيون إلى تكتيك العنف لسحق الاحتجاجات، ما أثار المزيد من غضب العرب.
   لقد اعتقد الفرنسيون ولزمن طويل أن البريطانيين كانوا دائما ينشطون في دعم المقاومة العربية ضد سلطتهم, وصولا إلى الحرب العالمية الثانية، حيث فقد الاتهام مبرراته. فلقد سقطت فرنسا في 1940, وتبعه القرار الفرنسي - في الشرق الأوسط - بدعم حكومة فيشي - Vichy, كل ذلك أنهى رغبة الطرفين بالتدخل في مشاكل الآخر. في حزيران 1941غزت كل من بريطانيا والقوات الحرة الفرنسية free French forces سوريا ولبنان لمنع حكومة فيشي، من أن تكون نقطة انطلاق  للهجوم الألماني على السويس. وبعد استسلام حكومة فيشي، بعد شهر من الزمان، أناطت الحكومة البريطانية  لفرنسا الحرة الحكم في سوريا ولبنان.
وحينما أثارت تلك الخطوة غضب العرب، قرر المسؤولون البريطانيون: أن أفضل طريقة لحرف الانتباه عن فلسطين هو في مساعدة كل من سوريا ولبنان للحصول على الاستقلال على حساب الفرنسيين. وبمساعدة بريطانية متميزة حصل اللبنانيون على ذلك عام 1943. الفرنسيون اكتشفوا أن البريطانيين يتآمرون مع السوريين لنفس الأمر في السنة التالية.
   اكتشف الفرنسيون أيضا أن الصهاينة يشاركونهم رغبتهم بالانتقام، لأن الرأي اليهودي أصبح بالضد الآن من البريطانيين. في 1939 وفي محاولة لإرضاء العرب فرض البريطانيون شروطا صعبة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين الأمر الذي منع أعدادا كبيرة من اليهود الفارين من ألمانيا النازية من الوصول إلى فلسطين بأمان. وعندما انتشرت أنباء الهولوكوست, المحرقة ـ Holocaust ومستوى شدتها، قرر اليهود أن الوقت قد حان لطرد البريطانيين. حاولت بريطانيا تهدئة الوضع الإرهابي العربي، قبل الحرب، وأثبتت أن العنف يجدي. 
   هذا الكتاب يكشف أن الفرنسيين كانوا يساعدون سرا الإرهابيين الصهاينة، الذين يشاركونهم الهدف في طرد البريطانيين من فلسطين.
ضغينة الخصام بين بريطانيا وفرنسا مهمة جدا في إشعال النزاع بين العرب وإسرائيل. فبريطانيا  تستعمل الصهاينة  لإعاقة أو إحباط الطموحات الفرنسية في الشرق الأوسط، وتصعيد التوتر بشكل مأساوي بين العرب واليهود. لكنهم الفرنسيون, هم من لعب دورا كبيرا وحيويا في خلق دولة إسرائيل من خلال مساعدة اليهود في تنظيم الهجرة الواسعة  وتشكيل المنظمات الإرهابية التي أدت بالنهاية إلى إفلاس الوصاية البريطانية في 1948. 
هذا الكتاب محاولة لشرح كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد.
القسم الأول
 بداية نحتِ المتابعة: 1915 - 1919
 1
سياسة عملية جدا
في وقت متأخر من صباح 16/12/1915 الشاب السياسي الموعود، سير مارك سايكس ـ sir Mark Sykes، يسرع في الذهاب إلى شارع (داو ننج) لمقابلة مهمة. رئيس الوزراء هربرت هنري اسكويث ـ Herbert Henry Asquith - استدعى البارونيت (أصغر بارون بلقب سير Sir) لاستشارته، هو ووزارة حربه, في كيفية إنهاء الخلاف حول مستقبل الإمبراطورية العثمانية ottoman empire والذي كان على وشك أن يمزق التحالف الهش بين بريطانيا وفرنسا. "إنها ضربة حظ  كبير"، قالها سايكس دفعة واحدة. "سمح لي أن أقدم بيانا أمام مجلس الحرب"، وما قاله كان يرسم فيه الشرق الأوسط اليوم.
    دهشة سايكس لدعوته إلى (10 داو ننج) كانت دهشة حقيقية. فهو قد نحت لنفسه دورا كمستشار رئيسي في قضايا الشرق الأوسط خلال الأربع سنوات الماضية. انتخب عضوا برلمانيا ضمن قائمة المحافظين في يوركشاير, ميناء (هل Hull) في 1911. راهن في خطابه الأول أن يكون مختصا في الإمبراطورية العثمانية. وفي ذلك الخطاب وصف زيارة له لشمال أفريقيا وهي لا تزال في يد العثمانيين. قال في خطابه إنه يؤمن بـ"إمبراطورية تركية موحدة وقوية"، فذلك مهم للتجارة البريطانية والإستراتيجية الحالية، كما سبق وكانت عليه الحال في زمن دزرائيلي ـ Disraeli قبل 30 عاما. 
ولكن عندما اندلعت الحرب في 1914 ارتبط العثمانيون مع الألمان ضد بريطانيا وفرنسا, الأمر الذي دعا سايكس أن يغير رأيه.
  من اجل المقابلة مع مجلس الحرب، جلب سايكس معه خارطة وثلاث صفحات تلخص ما كان يقوله. هذه الوثيقة لا تزال محفوظة ضمن مجموعة الأعمال الورقية، التي تركها حينما مات بعد 3 سنوات، بمرض الأنفلونزا في عمر 39. خط يده القوية، يشبه خط طالب مدرسة بملاحظاته الأخيرة حول ما راجعه, لكنها كانت من أكثر ما كتبه أهمية في حياته. آفاق TOUR D,HORIZON ترى أن هذه الكتابة, ساعدته كثيرا على إقناع مجلس الوزراء بأنهم يجب أن يتوصلوا إلى اتفاقية مع فرنسا وعلى وجه السرعة في كيفية تقاسم الامبراطورية العثمانية، ومن ثم فهو الرجل المناسب لصياغة الصفقة.
   "إنه حقا رجل متمكن, ضاج بالأفكار وبنفس الوقت مثابر ويهتم بما يكتب"، هكذا وصفه احد وزراء زمانه "لكنه في الحقيقة, هذا البرلماني mp اللامع, كان أقل اختصاصا في موضوعه من قابليته لإقناع المجلس بذلك"، سمعة سايكس عن كونه مختصا بالشرق الأوسط، تعتمد على سلسلة من الكتب ألفها حول المنطقة, آخرها كتاب (بسمْك أنجين) نشره في وقت مبكر من تلك السنة وهو كتاب: إرث الخليفة الأخير The Caliph's Last Heritage يتحدث في جزء منه عن  تاريخ النهضة الإسلامية كقوة سياسية, وجزء آخر عن يوميات رحلته المريرة التي سبقت الحرب في الإمبراطورية العثمانية. والنص متبّل بجمل عربية وحوارات خفيفة الوقع. الكتاب يوحي باستيعاب المؤلف وربما احتوى فهما عميقا أكثر مما كان المؤلف يتصور. لم يشأ سايكس أن يبدد الوهم. في ذلك اليوم ترك سايكس رئيس الوزراء وصحبه معتقدين بأنه يجيد العربية والتركية. والواقع انه لا يعرف الكلام بأي منهما.
الكتاب ومؤلفه عالي الثقة بالنفس, كلاهما ثمرة تنشئة غير عادية. ولد سايكس لأسرة عاطلة وظيفيا "بارون وصاحب ارض واسعة". حقق أول زيارة له في الشرق الأوسط وهو في عمر الحادية عشرة مع والديه: الأب غريب الأطوار ـ eccentric، سير تاتون ـ sir Tatton وأم مدمنة على الكحول ليدي جسيكا ـ Jessica، وكانت بعمر منتصف عمر الزوج. سير تاتون كان مأخوذا بعمارة الكنائس, والاعتناء بجسمه للحفاظ على درجة حرارة ثابتة, والولع بالمحلبي المهلبية. وكان في عمر 64 والليدي جسيكا في الثلاثين, وكانت على علاقة بدليلهم السياحي. مارك سايكس كان ابنهم الوحيد.
   في 1890 زارت العائلة سايكس، مصر وكانت تحت سيطرة الانجليز الذين استولوا عليها من العثمانيين قبل 8 سنوات, وبعدها توجهوا إلى أورشليم ـ القدس، ولبنان وكانت لا تزال بيد الأتراك. السفر في الوقت المناسب كان يفتن أحاسيس سايكس، كما أنه يبعده عن جو عائلته الكئيب، والذي بلغ ذروته في 1897 في المحكمة في قضية بمستوى لي الأصابع نظرا لمقدار هفوات وعثرات الطرفين. في تلك الحقبة فرّ سايكس إلى الشرق الأوسط، ولمرات متكررة, في البداية كطالب, ثم كملحق شرف honorary attaché في السفارة البريطانية في عاصمة العثمانيين – القسطنطينية. يروي كيف أطلق النار على قفل، ليفتح باب الخان المهجور، كي يقضي فيه ليلته, واكتسب سمعة الجرأة أو الجسارة, فضلا عن سمعة السائح المبذر. اصطدم بسائح آخر أو بسائحة وهي جرترود بيل ـ Gertrude Bell، مس بيل، وذلك في القدس, ولم تكن له علاقة طيبة معها, اعترف انه دفع الكثير للخيول. هي سجلت ملاحظة ذهنية، لترتيب أمور رحلتها في الشرق, "بحيث لا أقع معه, لأني لو كنت عارفة بالشرق، فإن الأسعار ترتفع باستمرار طيلة الرحلة".
   وكبقية كتاب الرحلات, يحب سايكس أن يتظاهر بأنه في طريقه إلى بلاد غير معروفة. وكان يختار طريقة سفره, كما يدعي "بأنه يتبع أنفه (يسير في خط مستقيم) فوق تلك المواقع من الخريطة شديدة البياض أو الغنية، بعلامات الاستفهام أو الخطوط المنقطة..".
رؤيته لأوروبيين آخرين يعكر مزاجه. مس بيل كانت ترى فيه, مثل بقية المعاصرين له, "مسليا جدا" لكن سايكس كان أقل ترحيبا- بمس بيل-." أتحمل الثرثرة السخيفة لهذه الفارغة المتعجرفة  ,مسطحة الصدر ,الرجل المرأة,التي تسافر على امتداد الكون  تهز الردف, وتثرثر  كالحمار .." يتحدث بهذا إلى زوجته بطريقة مسرحية.
   الإمبراطورية العثمانية كانت في ذلك الوقت في حالة هبوط ,كما يصفها سايكس في أول خطاب له في البرلمان. فبعد أن أعلنت حكومة السلطان إفلاسها في عام 1876 تخلّت الحكومة البريطانية عن سياسة عمرها  خمسون عاما  تشمل  دعم وحدة العثمانيين واستقلالهم  واعتبارهم، مصدّا ضد مطامع القوى الأخرى. في 1878 وضعت بريطانيا يدها على قبرص, وبعد 4 سنوات أخرى, مصر وقناة السويس لتامين الطريق إلى الهند. ولما كانت قناة السويس تمثل الشريان الرئيسي للتجارة البريطانية، أصبحت مصر مركز اهتمام الإمبراطورية البريطانية fulcrum - قطب الرحى.
    وبينما أخذ المستثمرون البريطانيون أموالهم وهربوا, بعد فشل العثمانيين, تحرك الفرنسيون واحتلوا مكانهم. كانت فرنسا تتمتع باعتبار مهم سابق، ضمن الإمبراطورية العثمانية من خلال معاهدهم الدينية التي تدير عددا من المدارس  الأفضل مستوى وسمعة من رديفاتها العثمانية. وضمن محاولة استغلال ضعف وتدهور الأتراك اشترى الفرنسيون، معظم ديون الحكومة مقامرين بأكثر من دخل حكومتهم السنوي من اجل إنقاذ العثمانيين. لكن "الشبيبة التركية", الذين أمسكوا بالسلطة, في 1909 لم يفلحوا في وقف النخر. ولقد فقدوا ليبيا، وما تبقى من البلقان – آخر ممتلكاتهم في أوروبا - بعد 3 سنوات.
   توجهت الآن اهتمامات الإمبراطورية العثمانية إلى الشرق. بالإضافة إلى تركيا، يسيطر الآن العثمانيون على العراق وسوريا وفلسطين والحدود الساحلية  لشبه جزيرة العرب coastal fringes. ومع ذلك ورغم تدهور الإمبراطورية العثمانية ظل السلطان مؤثرا في أوسع  المجتمعات في العالم السنّي كخليفة أو وريث تابع للنبي محمد وحارس للمدن المقدسة في الإسلام: مكة والمدينة والقدس - أورشليم. وهذا كان آخر ميراث للخليفة, ومع ذلك فهناك همّ آخر يواجه العثمانيين: همّ تزايد العرب الواثقين بأنفسهم والذين يطالبون بالمزيد من الاستقلال من سلالة الحكم dynasty التي حكمتهم لأربعمائة عام.
   رحلات سايكس عبر الإمبراطورية وافقت بالضبط تلك المرحلة, فليس من المفاجئ أن نقرأ في آخر كتاب له وصفه العثمانيين بالاحتضار moribund. ولكي يدعم رأيه نراه يسهب في وصف مناظر البؤس والتخلف التي رآها في حلب   واهم مدن العثمانيين الشرقية, حيث المشيدات الحديثة "كالعمارات المتهالكة تعتمد في أساسها على ما تبقى من مشيدات تاريخية قديمة مهمة أكثر صلابة".
لقد لاحظ القذارة والأمراض منتشرة في – البزارات والأسواق والفقر والتفسخ  في كل مكان. في دمشق هاجمته، مجاميع من الكلاب القذرة, والجنود ذوو الأسمال, والبغّالين muleteers, وباعة السلع العتيقة الجشعين, وراعني ما رأيته في ما تسمى خطأ بالفنادق, ولحوم الضأن اليابسة والزبد المتعفن. ويحتفظ بأقسى انطباعاته للموصل Mosul. "عش الفساد والعفونة والرذيلة والفوضى  والأوبئة, وفيها البيوت الجديدة، تبدو آيلة لسقوط  وغير صحية ونتنة كالبيوت القديمة  والقديمة، منها لها نفس ملامح القبح  والتفاهة  للجديدة". الأسواق تغوص القدم في مجاريها وأكوام فضلاتها. مجاري الطرق الجانبية تجري بالدماء المتجمدة, والأصباغ الفاسدة وبتيارات بطيئة وألوان متعددة، تثير الغثيان ولا تطاق رائحتها.
    قد يبدو سايكس فزعا, لكنه في الحقيقة لم يكن يرغب باختفاء ذلك المجتمع, المتفسخ, مختلط الألوان, لأن ذلك يحرمه من أن يرى بأم عينه مناظر من القرون الوسطى أثناء عطلته. وعندما انكشفت مناورات القوى اللاعبة سرّه أن – قوى التقسيم وساحة ترافالجر ـ T square ولوحة التخطيط الفرنسية، لم يتمكنوا من القضاء على أصالة العربي السوري الأمي. لقد تجاهل السكك الحديدية التي أسسها العثمانيون بمساعدة الألمان، وتلك سهلت السفر للعرب الذي كان أفق تفكيرهم، ينحصر بمقدار ما يمكن أن يقطعوه مشيا على الأقدام أو على الخيول.
بدلا من ذلك, يعتقد أن الماكينة البخارية جلبت للعرب بجانب الحسنة مساوئ كثيرة مثل الكحول، الصور القذرة, الفونوغراف – الحاكي، وصالونات الشرب. هو لم يستطع أو لم يرد أن يرى  خدمات البريد, البرق, السكك الحديدية, الصافة وانتعاشها, حركة التعليم النامية: معرفة القراءة والكتابة literacy كانت في طريقها لتغيير العالم العربي إلى الأبد.
   سايكس يجيز لافتراضاته، أن تهرّب مع حكمه على الأشياء. كتب نقدا لكن الدوائر الأكاديمية، تعيب على كتابه وخاصة استهانته بالأتراك. رأي آخر يقول: الحقائق التي جمعها ستكون لها قيمة عليا عندما تستقر الأمور في المشرق.
كتابه ميراث - إرث الخلفاء الأخير ـ The Caliphs, Last Heritage ساعد على إطلاق لقب – الملّا المجنونmad mullah عليه في أوساط – الوايت هول، شارع رئاسة الوزراء البريطانية ووزارة الدفاع والخيالة، حيث اللجنة التي تدرس قضية مستقبل الشرق الأوسط، وحيث جرت الاستدعاءات إلى (رقم 10) رئاسة الوزراء، ليتحدث عن المسألة. وهذا نقاش طويل يدور حول من سيسيطر عندما ينتكس العثمانيون، وكيف يتأكد البريطانيون والفرنسيون أنهم هم الجواب الوحيد.
   في داخل الرقم 10- مجلس الوزراء، ثمة 4 رجال مهتمون بشكل خاص بأطروحات سايكس: رئيس الوزراء -H Asquith، وكان قد تعافى للتو من أزمة عصبية - انهيار عصبي، ولم يكن راغبا بتصاعد الصراع، مع الفرنسيين, كيتشنر ـ Kitchener وزير الحرب, منشغل الأصابع والوجه بتعليق الإعلانات في الشوارع عبر البلاد, لقد كان سابقا  حاكما في مصر. لويد جورج ـ Lloyd George وزير التموين (الزئبقي)  كان عدوا شديدا للترك، ومع فكرة أن تمتد الإمبراطورية البريطانية على امتداد ارض العثمانيين. بلفور Balfour  رئيس الوزراء المحافظ السابق وحاليا الرأس السياسي للبحرية Admiralty يعتقد أن بريطانيا وصلت حدودها، ولم تصل.
يقول سايكس: "أعتقد بأننا يجب أن نتفاهم مع فرنسا بأسرع ما يمكن، وأن نتوصل إلى تفاهم واضح  في موضوع سوريا".
وما نوع الترتيب الذي تقترحه مع الفرنسيين؟ يسأل بلفور.
يجيب سايكس وهو يشير إلى الخارطة: "أريد أن نحتفظ لأنفسنا بهذه البلاد جنوبي حيفا".
بلفور يبدو شاكّا: "لقد اعتبرنا هذه الأرض الممتدة 90 -100ميل والصحراء شرقها معقلا حصينا لمصر. والآن جئت  تقترح إضافة المزيد من الأرض إليها, المزيد من الأرض شرقها, وهي أرض مسكونة وزراعية، علينا أن نكون مسؤولين عنها. من النظرة الأولى يبدو أن هذا سيضعف ولا يدعم موقفنا في مصر".
   كيتشنر يدخل للدفاع عن سايكس: "أظن أن السير مارك سايكس يقصد أن الخط يبدأ من سواحل حيفا, وهؤلاء العرب ـ ويخز بالسكين على الخريطة لشبه جزيرة العرب - سوف يأتون بالنهاية تحت سيطرتنا".
"ماذا تقصد بأننا سنعطي الفرنسيين؟ نعطيهم ماذا؟" بلفور يلحّ.
سايكس رسم بإصبعه خطا وهميا على الخريطة  المنبسطة أمامهم، وقال: "أريد أن أرسم خطا يمتد من – e – في عكا – إلى الآخر في – كي – كركوك, بدا الحماس على لويد جورج حول تدمير الإمبراطورية العثمانية. "هل تقترح أن تكون هذه الخطوة الأولى قبل اتخاذ أي إجراء عسكري؟".
   لم يشأ سايكس أن يدوس على أصابع كتشنر "أعتقد أننا يجب أن نعرف أين نحن الآن".
أسكويث, سبق له أن حذر من مخاطر التحرش بعش الدبابير – القبائل العربية -, عند التدخل بالشرق الأوسط. لكنه تعب. وهو سعيد الان لتفويض هذه المسألة، ومعجب بالخط  البسيط الذي رسمه سايكس على الرمال. "يجب أن يكون لدينا  اتفاق سياسي"، قال هذا وهو ينهي النقاش. "يجب أن نصل إلى اتفاق سياسي مع الفرنسيين, وأقصد بنودا دبلوماسية".
   "أعتقد أني كسبت الجولة I carried the day, سوف ترى أني لم أحوّم خلف سياسات عملية جدا". هذا ما كتبه سايكس لأحد أصدقائه.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي