رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 30 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2486

لمناسبة احتفال غوغل.. عفيفة اسكندر: الصورة الأخرى

الخميس - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2019

أ.د. قاسم حسين صالح*
(كنت اول صحفي يكشف الوجه الآخر الراقي لعفيفة اسكندر الذي لا يعرفه كثيرون.. وستستمتع!)
 في العام (1972) كنت اعمل مذيعا في اذاعة بغداد، ومحررا في مجلة (الاذاعة والتلفزيزن)..التي كانت الاوسع انتشارا والاغزر في تنوعها الثقافي والفني، والاكثر استقطابا لمحررين متميزين بينهم: زهير الدجيلي، فالح عبد الجبار، فاطمة المحسن، زهير الجزائري، محمد الجزائري، سؤدد القادري.. الذين هم الآن من ابرز الكتّاب العراقيين.
كنت حينها شابا وسيما نشطا (طالب دراسات عليا، ومذيع، ومحرر صحفي في آن واحد). وكان الاخ زهير الدجيلي (رئيس التحرير) يختارني لاجراء لقاءات صحفية مع الاشخاص "الصعبين" مثل محمد القبنجي وآخرين افتقدناهم ونسيناهم في زمن شح به الوفاء لمن كانوا رموزا فنية وثقافية وعلمية ايضا.
في صباح احد الايام، طلبني زهير الدجيلي، ونظر اليّ من فوق نظارته وقال:
- حبيبي قاسم.. اريدك تعمل لقاء صحفيا مع عفيفة.. صار تلث مرات تعتذر.. وهي بطبيعتها تكره اللقاءات الصحافية.. يلّه وريني شطارتك ياحلو.
كنت حينها قد علّقت في اذني نصيحة تلقيتها من صحفي مصري اسمه (كرم شلبي). كان يدّرسنا مادة (الفن الصحفي) في دوره اذاعية لعشرة من اكثر من متقدم اجتازوا اختبار لجنة مؤلفة من: محمد سعيد الصحاف، سعاد الرمزي، سعد لبيب مدير برامج اذاعة صوت العرب، عبد المرسل الزيدي، بدري حسون فريد، وثامر مهدي (هكذا كان ينتقى المذيع ويدخل دورة اذاعية لثلاثة اشهر يتلقى فيها دروسا في اللغة وفن الإلقاء والصوت).
كانت نصيحة كرم شلبي هي [حين تذهب لاجراء مقابلة صحافية..اذهب معبأ ]. وكان يقصد بها ان على الصحفي ان يفاجئ الشخصية التي يقابلها بمعلومات يظن ان لا احد يعرفها.
كنت حينها اعمل في القسم الثقافي الذي يرأسه الشاعر حسب الشيخ جعفر، وكان الشاعر حسين مردان يعمل فيه ايضا.. وقيل لي ان له علاقة حب بعفيفة.. وانه نظم لها قصيدة حب رائعة.

حييته بتحية خاصة.. وبعد ان هيأته نفسيا قلت له: بداعة عفيفة.. اريدك تعطيني القصيدة اللي نظمتها لعفيفة اسكندر.
حدّق بي وهو يمسّد شعره المنسدل على اذنيه بلا تمشيط..وقال:
- انها هنا.. خذها ان استطعت.. واشار الى قلبه.
وبعد موقف رومانسي.. وقبلة على خده.. وضعت القصيدة في جيبي.. وكانت أول تعبئة.
ورحت ابحث عن تعبئة ثانية.. فقيل لي.. ان احد شيوخ الديوانية.. دعا عفيفة اسكندر لإحياء حفلة بمناسبة زواج ابنه، وانها تعرضت الى حادث اعتداء عليها اذ كانت (جميلة جدا.. وحركه من تغني.. وخبلّت ناس ما شايفين)، بحسب تعبير من روى لي.. وافادني بأن ابن هذا الشيخ يعمل في (مصرف الرافدين) فقصدته.. وروى لي تفاصيل الحادث.. فكانت التعبئة الثانية.
كان موعد اللقاء الساعة السابعة عصرا، في شقتها بشارع ابي نؤاس. فانطلقنا انا والمصور حسين التكريتي، الذي اصبح في ما بعد المصور الخاص للرئيس صدام حسين.
وصلنا على الموعد.. ووجدنا عفيفة بكامل اناقتها.. فستان احمر منقط بأبيض.. تسريحة بشعر مرفوع الى اعلى يمنحها طولا وكبرياء.
رحبت بنا.. وقالت:
- تره المجال ساعة فقط.. لأن عندي التزام الساعة ثمانية.
اجبتها: ولا يهمك ست عفيفة..كلش كافي.. والتفت الى المصور: يله ابو علي.. شوف شغلك.. التقط لها صورة غلاف جميلة.. وغادرنا.. وبقينا في الشقة انا وعفيفة فقط!.
وجرّ الحديث.. واجتزنا الساعة الثامنة.. وادخلتني الى جناح اخر في الشقة.. كانت على احد رفوفه تماثيل خشبية لرؤوس بشرية..فاجأتني.. انها من صنعها.. وكانت على الحائط.. صورة لطفلة جميلة.. بإطار انيق.. سألتها: من تكون هذه الطفلة.. اجابت: انها انا.
- ممكن أخذها معي.. لتنشر مع الموضوع.
• قالت وبريق الدمع بدأ يلمع بعينيها:
- خذها.. وثقتي بك انك ستعيدها.. فهي اعز ذكرى واكثرها ألما في حياتي.
وبدأت تروي لي حكايات طفولتها.. واوجعها..يوم زفوها وهي بعمر 12 سنة الى زوجها (اسكندر اصطفيان)، ومنه اخذت الاسم.
- البسوني البذلة البيضاء.. وكعب عالي لأنني كنت قصيرة.. وزفوني.. وانا لا اعرف ما يجري.. ودخلت على رجل يكبرني بأربعين سنة.
تبادلنا الاحزان.. وبكت عفيفة.. يالجمال الدمع على خديها المتوردين بحمرة اضافية وضعتها باناقة فوق وجنتيها. وكنت لحظتها بين المشفق عليها المداري لاحزانها، وبين (الصحفي الخبيث) الذي يستهوي ان يزيدها حزنا لتفيض بما استقر في موطن الاسرار!
سألتها عن علاقتها بحسين مردان.. فأجابت انه حب من طرف واحد.. وانها ما كانت تحبه لشخصه، انما تحب فيه الشاعر المتمرد الجريء.
وسألتها ان كانت تجد في "تعذيبه" ما يشعرها بالنتعة، فأجابت..ابدا، بل انها تشفق عليه، وتستمتع بشعره، وان ادباء كثيرين غيره حاولوا، غير انه كان نظيفا ونقيا.. ولطيفا في ساعات صفائه!
اجتزنا التاسعة مساء.. تناولنا عشاء خفيفا.. وحكت لي عن لقاءاتها بفنانين مصريين كبار، وشعراء كبار، بينهم ابراهيم ناجي صاحب قصيدة الاطلال، ومحمد عبد الوهاب، وتحية كاريوكا.
والاكثر من ذلك ان عفيفة اسكندر كان لها في بغداد صالون ادبي يحضره ادباء وشعراء وفنانون وسياسيون، بينهم نوري السعيد والوصي عبد الاله، وأن صالونها كان مطبخا فنيا وثقافيا وسياسيا ايضا.. وعندها كان عليّ انا الصحفي.. ان اقلب صورة عفيفة اسكندر في اذهان العراقيين، في زمن مبكر نسبيا، بداية السبعينيات. ذلك ان الفكرة المأخوذة عن الفنانة.. انها تبيع الهوى.. ولا شرف عندها.. وان (لحمها رخيص).. فعمدت الى تصحيح، بل قلب هذه الصورة الى ان عفيفة فنانة مثقفة، محبة للادباء والمثقفين، وان بيتها كان صالونا ثقافيا وفنيا وسياسيا ايضا. وللأسف.. فإن الصورة المأخوذة عنها في اذهان عامة الناس، كانت نفسها موجودة لدى مثقفين ايضا؛ ففي صباح اليوم التالي استقبلني زملائي الصحفيين في المجلة (مهنئين) لي بقضاء ليلة ممتعة! وما علموا ان عفيفة التي تخلت عن التزامها ومدت الموعد من الثامنة الى قريب منتصف الليل.. كانت نقية، مثقفة، مهذبة، فنانة من طراز خاص.. وانها وجدت صحفيا استفاد من خبرة من علموه فن الصحافة في العزف على اوتار ما عزف عليها احد قبله.. فكان تحقيقا صحفيا مميزا في حينه قلب الصورة المأخوذة عن عفيفة اسكندر، من كونها فنانة (ملاهي) الى فنانة مثقفة، كانت تحظى باحترام وتقدير ادباء وشعراء وسياسيّ زمانها.
وما يؤلم، ان عفيفة عاشت شيخوختها بما يشبه التراجيديا. فلقد كانت تملك الدنيا وقلوب الناس، فما ملكت منها في شيخوختها شيئا، ولا خفّ احد لتشييع جنازتها من جمهورها الذي كانت تغص به صالات حفلاتها، ولا جازاها عراقي بخطوة وراء تابوتها مع أنها اطربت العراقيين لنصف قرن وسحرتهم بعذوبة صوت مثقف رصين يتقن اللغة، وان من كان يحظى بمصافحتها، كان يتباهى وقد لا ينام ليلته من شدة فرحه.
كم تمنيت، بعد ما رأيت، لو أن الموت زارها قبل عشرين سنة، كي لا ارى قساوة  "التسعين" على من كانت في شبابها حمامة ملونة، توزع الفرح على الناس، وان تموت بعزّة نفسها.. لا ان تستجدي حكومة اهدرت المليارات، بين نهب وترف سفيه.. وما عطف عليها سوى الرئيس جلال طالباني بمخصصات متعثرة هي اقل بكثير من المبلغ الذي منحته لها مؤسسه المدى.
يا لهذا الزمن النحس.. ويالنهايات من يقترب الآن من مشهد تراجيديا.. عفيفة اسكندر.
• مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي