رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 10 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2488

عن العراق.. لا العراك: إبداع برهان الخطيب

الخميس - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2019

بغداد ـ العالم
في لقاء لإذاعة ستوكهولم العربية مع برهان الخطيب قبل سنوات يتبرم مقدم البرنامج قليلا: رواية الخطيب (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) لا علاقة لها بالأنس!. نعم، المؤلف ملزم تقديم وصلات رقص وغناء فيها.. وإلاّ أين هو الأنس وسط إطلاق رصاص واعتقالات واغتصاب وتعذيب على صفحاتها المديدة عبر أزمنة وأنظمة سياسية تقوم تنقلب نصف قرن لا تشبع لا تسمن من تغيرات في الوجوه  حسب؟.. أو أن للمؤلف رسالة تحت النص؟!.. عراق الأنس والجمال والطرب، القيثارة السومرية، زرياب، إلى عهد الرشيد، حتى استباحته، تلون نهره بحبر كتبه، يفقد الأنس نعم.. يصير الشارع الشهير وغيره ساحات حرب.. لماذا؟!.. 
في كتاب الخطيب الآخر الموسوم (الشارع الجديد) تبرز قصة (عراك).. لكنها هل هي فعلا عن العراك.. أو عن العراق عموما.. أخرى عن الطوفان.. ما معناه فحواه.. ما المضامين الظاهرة والخفية هناك؟! ذلك ما يتصدى له الناقد البارع د. صالح هويدي في هذا الجزء من بحثه الأكاديمي المنشور عام1989عن أبداع كاتبنا العراقي الكبير برهان الخطيب.
القاص برهان الخطيب واحد من المهتمين بالتوظيف الرمزي في العمل القصصي، الساعين إلى تطوير هذا النهج وتقديم ما هو جديد فيه، مما يكشف عن قدرة طيبة لديه في مجال التوظيف الفني ومعالجة الرموز وإحكام الصنعة والتجويد فيها. 
ففي قصة (الطوفان)* تنأى الدلالة الشمولية بالقصة عن أن تكون محض حكاية عن خلاف بين فلاحي (آل يعرب) و (آل أكبر) ذلك الخلاف الذي ينتهي بالأذى حينا و القتل أحيانا أخرى، من جراء مكائد مريبة وأياد عابثة بسداد النهر وبرباط الدواب المؤذي. 
ويأتي اختيار القاص الدال للشاب بعد حدث الاقتتال الدائر بين فلاحين من الأسرتين وطريقته في التعبير بطريق الصورة الموحية دونما وقوع في مهاوي التقرير والشرح ، يأتي مشيرا إلى مصدر الشر ويد الأذى التي لم يعجبها ما انتهت إليه من مصير:
(فأشاح الشاب بوجهه عنهم نحو بساتين النخيل المنتشرة خلف السدة الترابية حيث تنتصب قلعة الشيخ سوادي كوحش ينتظر في طريق الرائحين والغادين، وأضاف هازا رأسه كالحكيم:
ـ أعرف تمام المعرفة من يحاول ذر الخلاف بينكم وأنتم تعرفون لكن الحقد و حب الشجار يعمي عيونكم) ص41 وانظر ص45 أيضا إذ تتكرر كلمات الشاب الموحية هذه وطريقته في النظر إلى مكمن الشر في مواضع أخرى من القصة. 
لقد اختار القاص النهر ليمثل الخطر الخارجي الذي ظل رابضا كوحش مخيف أمام أعين الأسرتين المتقاتلتين اللتين تنتميان إلى أرض واحدة وطبقة واحدة ومصير واحد، ينهش بعضهم بعضا والنهر يأكل بالسدة المحيطة بهم شيئا فشيئا، بل أنهم وهم يعملون من أجل تحاشي خطر النهر وتهديده لهم كانوا يتصرفون كما لو أنهم يقطعون آخر الوشائج فيما بينهم أو يقضي بعضهم على بعضهم الآخر، وذلك واضح من خلال الحديث الموحي والذكي الذي أداره القاص على لسان المهندس المسئول عن مشروع السدة وهو يحاور أحد الفلاحين..
ـ يا حضرة المهندس وزعوا علينا إذن بعض أكياس التراب والبواري التي عندكم..
فرمقه المهندس بنظرة متهمة وأجاب:
ـ كي ما تقيموا حواجز أعلى فيما بينكم ها؟ أما النهر فاتركوه للرحمن يحميكم منه كأنكم لا تخافون الطوفان بل الصفاء يحل بينكم) المصدر نفسه ص47 . 
ويأتي حديث الطوفان الأخير في القصة التي حملت عنوانه ليؤكد البعد الرمزي المتضمن فيه معمقا إحساسنا بالمستوى التعبيري لهذه القصة. 
لقد كانت المحصلة النهائية لهذا التطاحن الدامي وغير المبرر أن داهمهم الخطر الخارجي في شكل طوفان مخيف، لم يجد فلاحو الأسرتين أمامهم وقتا للتفكير في أية أرض يردمونها قبل غيرها، فقد كان الخطر الخارجي باعثا على التوحد الغريزي والتكاتف لصده. 
ولعل مما يؤكد المستوى التعبيري لهذه القصة أن الشيخ وأرضه يبدوان بمنجى عن الخطر والإحساس به، مما يؤكد رمزية هذا الخطر الخارجي والجهة التي يستهدفها وطبيعة المصلحة التي تربطه بطبقة الأمس ، رمز التسلط القريب. يشير القاص في قصته إلى قرب عهد تجريد الشيخ من امتيازاته وأراضيه بفعل قوانين الإصلاح الزراعي لثورة آتية. 
ـ طوفان يمد لنا سيلا كالسيف .. هناك.. هناك... ها.. ها.. 
ولم يسأل أحد في أي أرض يمد الطوفان سيفه، اندفع في البدء بضعة رجال خارج القلعة، لحقهم آخرون، داخل المضيف كان الشيخ يحدث ضيوفه الأفندية: أمان ، السيل لا يصل حدنا إلاّ بعد أن يجرف آخر واحد منهم.
في الخارج لم يتبق ثمة أحد.. فقد انطلق الجميع ليهزموا الطوفان.. 
إن القصة في تصويرها لتكاتف الفلاحين وتصديهم للخطر الخارجي الذي أحدق بهم مهددا حياتهم ووجودهم إنما تنطوي على الإيمان بتوحد أصحاب المصلحة الواحدة ضد الخطر الخارجي وقدرتهم على تجاوز خلافاتهم الثانوية وفرقتهم الطارئة. وإن رحابة الرمز وقدرته الفائقة على الإيحاء غير المحدود في هذه القصة تتيحان تفسيرها على أكثر من مستوى، فعلى المستوى العام يمكن فهم القصة على أنها تصوير لحالة الفرقة بين فصائل العرب وقياداتها السياسية التي أضرت كثيرا بمسيرة النضال الثوري التحرري ضد قوى التحالف الأجنبي والتآمر الامبريالي، وعلى مستوى ظروف العراقي يمكن النظر إلى القصة على أنها تعبير رمزي عن حالة الصراع الدموي والاقتتال بين الفصائل الوطنية التقدمية التي غلبت التناقضات الثانوية على التناقض الأساس. 
في قصة (عراك) من (الشارع الجديد) يعمد القاص إلى تنويع جديد على موضوعته  التي رأيناها في قصة (الطوفان) بعد أن يكسب القاص مفردات قصته الواقعية غلالة تعبيرية تتجاوز بها مستوى قشرتها الظاهرية إلى حديث الدلالة الرمزية الأرحب. تبدو الشخصية المحورية منذ البدء أسيرة عراك محلتي (الجامعين) وأبناء (كريطعة) الذين يديرون منذ سنوات حروبا طاحنة بالعصي والحجارة تستمر بضعة أيام لا تنفض، إلاّ باشتباك الكبار ـوتدخل الشرطةـ أو باتفاقهم في أحسن الأحوال على هدنة معرضة للخرق كل لحظة ص178. 
تتفاقم مشكلة الشخصية القصصية حين تتعرض في كل معركة من هذه المعارك إلى الضرب والإهانة  وإلى المطالبة باتخاذ موقف محدد إزاء كل من الطرفين. وبينما لا تجد الشخصية تفهما من قبل الأم التي ترى ان الذنب ذنبه (الابن) لأنه لا يمشي في طريقه عاقلا، يؤكد له عمه أن عليه إعداد نفسه جسمانيا لفرض احترامه على من حوله، ناصحا إياه بتعلم الملاكمة. 
لقد كان للشخصية (الصبي) أصدقاء في كلتا المحلتين، لا يود إيذاءهم كما أنه لم يجد ضرورة للدخول في عنف غير مبرر عنده، لقد كان في حيرة من أمره، فمدرسته التي يذهب إليها كل يوم تقع في محلة (الجامعين) وبيت خالته التي يجلب لأهله الحليب البقري منه يقع في محلة أبناء (كريطعة) وهو لا يستطيع أن يقف إلى جانب جماعة على حساب أخرى.
(كان قد مر أكثر من أسبوع بسلام وأمان، مياه الشط مرتفعة، ورأسي غير دائخ بالتساؤل لمن أفزع في حالة نشوب معركة بين الصوبين، كيف أستطيع أن أوجه أحجاري إلى الصوب الآخر ولي في ذلك الصوب إما صديق أو قريب..)..
إنه لا يستطيع التضحية بالحليب الذي يأتي به من بيت خالته لأهله لأنه يعني قطع غذاء يومي عنهم، كما أنه لا يستطيع الامتناع عن الذهاب إلى المدرسة التي تمثل مصدرا للعلم والمعرفة، في هذا التقابل فيما بين المعرفة ولقمة العيش ذكاء ضمن للحدث توتره المقصود، بعد أن جعل الشخصية القصصية متأرجحة بين جانبين لا يمثل أي منهما أمرا متكاملا، حيث يبدو الأول مصدر الرزق والعيش .. بينما يبدو الثاني مصدرا للمعرفة والفهم. 
(كريطعة عدوتنا وكل من يصادقها عدونا، عليك أن تختار إما تكون صديقهم أو صديقنا.. مرة أخرى هذه الأسطوانة!
ـ لكني أريد أن أكون صديقكم وصديقهم أيضا..
ـ خلي هذا الحكي في جيبك.. لا فائدة لنا في هذا، إما معنا أو معهم. 
ـ لكني أريد أن أكون صديقهم و صديقكم!..
هكذا تبدو هذه الشخصية المحورية حائرة عرضة لانتقاد الجميع الذين لا يرون فيها نفعا لأحد لأنها تعجز عن معاونة أحد، ويظل الصبي خائفا من وقوع معركة جديدة بين المحلتين في وقت بدت فيه مياه الشط شاحبة واستعد فريق لقطع طريق النهر على الفريق الثاني. 
وإذ يعود الصبي بالحليب مساء أحد الأيام تلوح له أولى علامات نشوب المعركة، ليشهد وهو عائد فيما بعد صياح النسوة وصراخ الأطفال وجري الصبيان، إذ ذاك يسلط القاص الضوء على حدث ذي دلالة تعبيرية واضحة لينهي به قصته معمقا بذلك من مغزى القصة ومشيرا إلى عواقب تلك العداوات الضارة والتطاحن المقيت:
(تمهلت أرقب تلك الضفاف القريبة، كان بالإمكان العبور إليها خوضا لولا هذه العداوات، هناك ما يتحرك وسط مياه الشط لا يبدو أنه آبه لكل ما يحدث حوله، اقترب قليلا من الشاطئ، إنه طفل يختنق! في واحدة من هذه الحفر العميقة التي احتفرها الجاموس، لا أحد ينتبه إليه، الكل مشغول بالعراك، سيغرق بالتأكيد، صيحتي لن تنفع، لن يسمعها أحد في هذا الهرج.. 
رميت زجاجة الحليب على أحجار الشاطئ ، وقذفت بنفسي إلى الماء) ص186
لقد كاد تطاحن الفريقين وعبثهم السادر في أن يتسبب في اختناق الطفل وموته، تلك القيمة النقية الدالة على البراءة، ورمز الجيل الجديد الذي لا ناقة له ولا جمل في هذا الصراع الدامي، لو لا أن أنقذته الشخصية قبل فوات الأوان.
ولم يكن غريبا أن تعبر الشخصية الضفاف إلى حيث النهر بعد أن غدا العبور أمرا متعذرا بسبب تلك العداوات، كما لم يكن غريبا أن تضحي بزجاجة الحليب، رمز قوتها اليومي، من أجل ضمان الغد المشرق الذي ينتظر المحلتين وأهلهما على يدي هذا الجيل الذي رمز له القاص بالطفل الموشك على الاختناق.
لقد بدت القصة متضمنة للدلالات الرمزية المختلفة لإيصال مغزاها الإنساني العميق والساعي إلى تجاوز النظرة الضيقة والموقف الصراعي من جراء مواقف غير موضوعية و ثانوية،  وصولا إلى موقف أكثر شمولية وإيجابية من أجل سعادة الأجيال الطالعة وضمان مستقبلها المشرق، وهو المعنى الذي حاول القاص التعبير عنه في قصته السابقة (الطوفان).. 
ــــــــــــــــــ
* الشارع الجديد. برهان الخطيب. منشورات وزارة الثقافة والإعلام. الجمهورية العراقية. دار الرشيد للنشر. سلسلة القصة والمسرحية 1191980 ويرجع تاريخ كتابة القصة كما يشير القاص إلى عام 1969 وقت تنشر أولا في مجلة الآداب اللبنانية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي