رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 28 كانون الثاني ( يناير ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2362

تحت نصب الحرية.. قصص لعراقيين يبحثون عن غد أفضل

الخميس - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2019

بغداد ـ العالم
ترفع آيات يدها اليمنى وسط ساحة التحرير في بغداد، والدموع تنهمر من عينين تختبئان خلف نظارتين طبيتين مرتاحتين على وجه طفولي، وتردِّد خلف صوت يصدح من بعيد: "سلامٌ عليك على رافدَيك عراق القيم، فأنت مزارٌ وحبٌ ودارٌ لكل الأمم".
وأصبحت قصيدة الشاعر أسعد الغريري التي غناها كاظم الساهر بمثابة نشيد وطني جديد لعشرات الآلاف من العراقيين الذين يملأون منذ نحو شهرين ساحة التحرير وسط بغداد، مطالبين بـ"إسقاط النظام" وطبقة سياسية يحملونها مسؤولية أعوام من المعاناة والفساد وتحويل الأحلام إلى كوابيس.
آيات (23 عاما) التي تقترب من إنهاء تخصصها في الطب بإحدى جامعات العاصمة، وجه من وجوه ساحة التحرير حيث يروي "نصب الحرية" أحداثاً مفصلية شهدها العراق على مرّ تاريخه.
ليست وحدها المشاركة في رسم لوحة غير مسبوقة في التاريخ الحديث لبلاد الرافدين حيث يحمل آخرون معها أحلامهم في سبيل وطن أفضل، ومنهم حسين سائق "التوك توك"، وعلي الناشط الحقوقي الموثق للانتهاكات، وخيرية الخمسينية الحاضرة لتطهو للمحتجين بحنان الأم.
- "لا نعرف في أي لحظة نموت" -
في أمسية من تشرين الثاني/نوفمبر، دعا صوت المعتصمين الى رفع رؤوسهم بداعي فخراً لما يقومون به، مذكرا إياهم بأنه "عندما يتكلم العراق، الكل يسكت".
صمت كثيرون في تلك الليلة بخشوع وسط الدموع والشموع إحياء لذكرى ضحايا قضوا منذ بدء الاحتجاجات، تجاوز عددهم حتى اليوم 450 شخصاً.
ومع بزوغ ضوء النهار، تترك آيات الساحة دون أن تبتعد عنها. وتحاول إنقاذ آخرين من ملاقاة المصير نفسه.
ويعتبر شارع الرشيد معقلها، وهو أحد أبرز الأحياء التراثية في بغداد وقد تحول إلى ساحة حرب في ظل المواجهات بين القوات الأمنية والمحتجين.
تعمل مع أطباء ومتطوعين على إسعاف المصابين في المواجهات مع القوات الأمنية، جراء تعرضهم لوابل من الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع التي تطلق نحوهم مباشرة، وتصيبهم في الرأس والصدر.
تقف آيات بثوبها الطبي الأبيض الذي كتبت عليه فئة دمها "أو سلبي"، واضعة على وجهها قناعاً واقياً، وعلى رأسها خوذة سوداء، وحول عنقها سماعة طبية. غير بعيدة من دخان أسود يتصاعد جراء حرق الإطارات المطاطية. تقول "هذا مكان خطأ، لكن نحن يجب أن نكون في المقدمة لنساعدهم. لا يجب أن نتركهم، لا يجب أن يحصل لهم شيء".
وتضيف لوكالة فرانس برس وهي حاول التقاط أنفاسها "الوضع خطر، متأزم، لا نعرف في أي لحظة يضربونا، لا نعرف في أي لحظة نموت".
لم يسلم الأطباء والمسعفون من دورات العنف التي تطاول التظاهرات، ووصل إلى حد اعتقال عدد منهم، بحسب آيات التي تضيف "نحن الأطباء مستهدفون من كل النواحي، التهديدات وصلتنا حتى البيت. التهديدات وصلت الى والدي (...) لكن يجب أن نساعد" الجرحى الذين "يتم نقلهم بالتوك توك لأن سيارات الاسعاف قليلة، والاسعاف لا يتقدم، دائما ما يكون إلى الخلف، والتوك توك يكون في المقدمة".
- "أحلم أن أعيش حرا" -
في بلاد تنفست الشعر والثقافة والأدب على مدى حضارة لآلاف الأعوام، لا يغيب عن العراقيين قول محمود درويش "قف على ناصية الحلم وقاتل".
وفي يوميات العراق منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، قتال من نوع آخر لشعب خبر على مر تاريخه، سلسلة غزوات واجتياحات.
آيات، حسين، وخيرية... عيّنة مصغّرة لأناس باتت يومياتهم تدور حول البحث عن غدٍ أفضل. هم أربعة من عشرات الآلاف في بغداد، الكوت، الناصرية، الديوانية، كربلاء، البصرة، وغيرها، استثمروا نشاطهم اليومي في سبيل نسج حلم جماعي لبلد يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي