رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 1 تشرين الاول( اكتوبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2522

ثورة تشرين.. سقوط نظام أم سقوط منظومة؟

الاثنين - 9 كانون الاول (ديسمبر) 2019

علي بابان*

يبدو النظام الذي انتجته تجربة السنوات الستة عشر المنصرمة وكانه بيت عنكبوت انكمش بلمسة واحدة.. بيت خرب ضربه السوس والعفن من كل اطرافه، ثم لم يلبث ان تهاوى من اول عاصفة .
هناك نظم سياسية ومنظومات ساندة لها تحتاج الى عشرات السنين حتى تسقط، ولكن هذا النظام ومنظوماته معه كانا على درجة من الاعتلال والشذوذ، بحيث اختصر السنوات ليشيخ ويكتب نهايته في ستة عشر عاما .
النظام السياسي لاي بلد في صورته النهائية، ليس سوى قشرة خارجية لمجموعة من النظم الاجتماعية.. القيم والانماط الثقافية ..الشخصيات والرموز.. المثل العليا.. الخطوط الحمراء والخضراء.. الهياكل والبنى والمؤسسات.. سيكولوجية الفرد والمجتمع ومزاجيته.. هذه كلها (تتفاعل) و(تتكامل) لتفرز نظاما سياسيا بملامح ومواصفات محددة .
فقدان المصداقية وبؤس الواقع وضحالة الثقافة الاجتماعية وخواء الشعارات.. هذه كلها مؤشرات واضحة على سقوط المنظومة سقوطا مدويا.. سقوطا اخلاقيا.. اما النظام السياسي فهو كتحصيل حاصل بات في حالة موت سريري بالفعل.
في ظل المشهد الحالي وطبقا لمعطياته الظاهرة فان مهمة ترميم النظام السابق واعادة تدوير مفاهيمه وتأهيل رجالاته ورموزه تصبح في حكم المستحيل .
ان القوى القديمة والفاسدة لا تخلي مواقعها بسهولة، خصوصا اذا خافت غلى مستقبلها وهي غالبا ما تبحث عن حلول ترقيعية واصلاحية (في الشكل لا في المضمون)، ومن خلال النظام والمنظومة ذاتهما  .
يلجأ المهزومون الى اليات المنظومة التي بنوها ويستعينون بقيمها ورموزها لكبح جماح التغيير وتكون مهمة تلك الرموز عادة (خلط الاوراق) و(الهرب الى العموميات)، و(المزايدة)، و(طرح المشاريع غير الواقعية) لاجل الارباك.. ويلجـأ البعض الى البلاغة العربية التي توفر مساحة من خلال التلاعب بالالفاظ والشعارات، ولكن مع اشتداد زخم قوى التغيير تصعب مهمة هؤلاء ويضعف المنطق الذي يستندون اليه وتكتشف الجماهير حقيقة ادوارهم ولمصلحة من يلعبونها .
وفي العراق فان الزخم الجماهيري وحجم الاصرار الذي يكتنزه.. شموخ الشباب وهيبة الاستشهاد والبحر الذي يهدر بالرفض في مقابل تهافت الطرف الاخر وهزاله وضحالته وعجزه عن امتلاك اي منطق متماسك.. كل تلك علامات على ان النظام السياسي القائم في حالة موت سريري .
سقوط المنظومة بكل عناصرها وتكويناتها سيبرز في تشكيل العراق الجديد الذي (سيتخلق) لاحقا حتى يأخذ صورة مستقرة او شبه مستقرة.. وقد لا يصعب على الباحث ان يتوقع بعض ملامح المنظومة التي ستمنح النظام السياسي الجديد صورته وشكله.   
المنظومة الجديدة والنظام السياسي الذي سيفرز منها ليست بالضرورة (النقيض) من كل الملامح القديمة، ولكنها ستحمل الكثير من (النقيض والمستجد)، فتجارب الشعوب لا يمكن ان تنجو من ردود الافعال والمجتمعات في ذلك شانها شان الافراد، تقرر مواقفها بناء على خزين تجاربها .
ان مشكلة النظم الفاسدة والفاشلة انها، وبسبب انعدام المصداقية تسيء الى المثل والقيم العليا التي تدعي الانتساب لها وهنا ينشأ رد الفعل الجماهيري في الاتجاه المعاكس، لكن المعادلة لا تلبث ان تعود الى حالة التوازن، بعد زمن يطول او يقصر.
ان سلمية او عنفية مسار التغيير تتحدد في الغالب بعاملين اثنين؛ زخم واصرار تيارات التغيير.. في مقابل حجم وطبيعة المقاومة التي تبديها القوى القديمة. وعندما تعجز تلك القوى عن فهم مغزى الرسالة التي يحملها دعاة التغيير او تتجاهلها عن عمد او سوء ادراك، هنا يحصل الصدام، او العنف.. وتتفجر الدماء.
اذا اردنا تغييرا سلميا في العراق، فينبغي على القوى القديمة فهم رسالة الجماهير جيدا، وعليها ان تدرك ان المنظومة القائمة قد تهاوت بكل ما فيها، وغدت كالزجاج المتناثر الذي يتعذر اعادة تجميعه.
رسالة العراقيين في غاية الوضوح والقوة والافصاح، ولا ادري ماذا يريد من يبحث عن رسالة اكثر وضوحا .
على قوى نظام ومنظومة ما بعد 2003 ان تدرك ان المسرح قد احترق بالفعل وعلى الممثلين ان يغادروه.. ولا يكونوا ممن قال فيهم الشاعر العربي نزار قباني:  
احترق المسرح من اركانه 
ولم يزل بعد الممثلون..
• وزير التخطيط الاسبق 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي