رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 18 اب( اغسطس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2255

يومان في حزيران 1941: قصة المحامي اسحاق ناتان

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

تسيونيت فتال*

أهوال الأحداث التي وقعت في اليومين الأولين من يونيو/ حزيران 1941، وصادف فيهما عيد نزول التوراة شفوعوت، بقيت في ذاكرة المحامي اسحاق ناتان نحو 80 عامًا. اسحاق الذي بلغ 95 عامًا في شهر مارس/ آذار هذا العام، استمر حتى قبل سنتين بمزاولة مهنة المحاماة في القضايا المدنية، ولا زال يروي ما جرى، كما لو أن الأحداث تقع الآن أمام ناظريه، وهو يعود لارتداء بدلته المدرسية في بغداد، كما فعل حين بلغ عامه السابع عشر. "من المهم أن تتعرفوا على ما جرى، لأن جيلي آخذ في التناقص"، قال لي بينما كنت أكتب كل كلمة للتوثيق والدراسة، وقد جلست بناته بجانبي وهنّ يوثقنه أيضًا لأجل العائلة والأحفاد.

"بعد انقلاب رشيد عالي الكيلاني والضباط ضد النظام الملكي في العراق، وإعلان الحرب ضد البريطانيين، أغلقنا على أنفسنا في المنازل لمدة شهر، وبحلول المساء أجبرنا على البقاء في الظلام الدامس. وخشينا من النوم على سطح المنزل رغم حرارة الجو الشديدة فلم نشعل الأنوار، ولا حتى السجائر، لئلا يتّهموننا، نحن اليهود، بالتجسس لصالح البريطانيين. عشنا حياة رعب متواصل في ظل التحريض المستمر ضدّنا. وأورد راديو بغداد في جميع مراحل القتال الأنباء عن انتصارات الجيش العراقي، لكن عندما وضعت الحرب أوزارها ظهرت النتائج مختلفة: عاد الجيش العراقي مهزومًا إلى بغداد، وفرّ رشيد عالي الكيلاني والمفتي الحاج أمين الحسيني إلى إيران، بينما كان ولي العهد عبد الإله وحاشيته في طريق عودتهم من الأردن إلى العراق. وكانت هذا أيضًا دلالة على نهاية حظر التجول المفروض عليّ في المنزل، لذلك اتفقت مع صديقي عزرا زلوف على الخروج وقضاء بعض الوقت بالقرب من منزله في منطقة سينما غازي. لو كنت أعرف ما ينتظرني، لما خرجت من البيت"، قال اسحاق، واجتهدت لأكيّف نفسي مع فقرات حديثه الهادئ.

"رأينا في الخارج، مجموعات من الشباب المسلمين يتهامسون فيما بينهم، وسمعنا طلقات من بعيد. شعرنا بحركة مريبة وأجواء مشحونة، ولم نكن نعرف ما إذا كانت أصوات إطلاق النار تُسمع من احتفالات مبهجة أو أنها كانت دليلًا على أحداث عنف. إحدى مجموعات الشباب ضربت رجلا مسنّا بجوارنا، يبدو أنه يهودي، فأدركنا أنه يجب أن نعود إلى البيت فورًا. كان منزلي على بعد نصف ساعة بالسيارة من منزل عزرا، وقد مرت بنا بسرعة عشرات الحافلات الصغيرة المحمّلة بالركاب. قررنا السير مسافةً نحو منزل جدّ عزرا، لأننا اعتقدنا أنه سيكون من الأسهل إيقاف حافلة صغيرة لتنقلني إلى منزلي. وهكذا بالفعل توقف سائق إحدى الحافلات الصغيرة أمامنا لينزل أحد الركاب، فسارعت للصعود إلى الحافلة التي كانت مزدحمة، وحشرت نفسي في المقعد الخلفي المجاور للباب، مع ثلاثة ركّاب. وفي مقدمة الحافلة الصغيرة جلس شابان يشتُمان الخونة، وكان واضحًا للجميع أنهم يقصدون اليهود، حتى لو لم يقولوا ذلك علانية. تسمّرت في مقعدي ولم أنبس بكلمة. وصلنا حي باب الشيخ، وهو منطقة مسلمة تمامًا، توقفت الحافلة ورأيت عبر النافذة، الجماهير الملتهبة حماسًا في الشارع. ودخل من الباب الأوسط رجل ضخم الجثة، وكان أسفل جسده ملفوفًا بمنشفة قماشية حمراء اللون، وكان أعلى جسمه عاريًا وملطخًا ببقع الدم. حمل الرجل خنجرًا في يده وصاح بصوت مرعب: "على اليهود أن يخرجوا". خفق قلبي هلعًا، لكني تظاهرت بأنني بريء، كأن الأمر لا يعني لي شيئا. أمسك الشباب والرجل الضخم بأحد الشبان، الذي جلس في المقاعد الأمامية، وأخرجوه عنوةً من الحافلة، وهو يتوسل إليهم أن يدعوه وشأنه، بحجة أنه ليس يهوديًا. وتمكنت أن أرى عبر النافذة حشدًا من الرجال حول هذا الشاب، وهو يتوسل لإنقاذ حياته. ما أن مضت بضع لحظات حتى أدخل ضخم الجثة رأسه إلى الحافلة وسأل هل يوجد يهود هنا. أحد الركاب أشار إليّ بتردد، وكل ما أردت في تلك اللحظة هو أن أختفي وأصبح غير مرئي كما في قصص الأساطير، أحنيت رأسي لئلا تلتقي عيناي بعيون الذين أوشكوا على قتلي. صاح بقية الركاب عاليًا: "لا يوجد يهود"، وأمر مساعد السائق أن تنطلق الحافلة بسرعة، تنفست الصعداء وشكرت الله بقلبي. أخذ راكبان في المقعدين الأماميين يشتمان اليهود، ويهدّدان بالقضاء عليهم. تجاهلتهما وأخذت أحصي عدد الأحياء الإسلامية التي سنجتازها حتى نصل إلى منطقة سكناي. عندما وصل السائق إلى حارتي، خشيت أن أطلب منه التوقف خوفًا من أن يكتشفوا أنني يهودي. وقفت الحافلة لإنزال أحد الركاب ففتحت الباب بجانبي وانطلقت إلى الخارج مسرعًا. ونتيجة هذه السرعة سقطت وتدحرجت عدة مرات على الأرض. لم يكن لديّ وقت للتفكير في ألمي، تمالكت نفسي ووقفت على قدميّ وركضت نحو منزلي، الذي كان على بعد مائة متر. ورافقتني طوال ذلك أصوات إطلاق النار وصراخ النساء والرجال من المنازل المحيطة ومن بعيد. كان الجو رهيبًا. رأيت عند مدخل الشارع المؤدي إلى المنزل، رجال شرطة يركبون الجياد، وأوقفني أحدهم وسألني إلى أين سأذهب، أجبت إلى منزلي، وسألني أين يقع. أشرت إلى الاتجاه وركضت سريعًا وهو يجري في إثري. ارتجفت يداي وأنا أدخل المفتاح في ثقب قفل بوابة المنزل، ولكن في اللحظة الأخيرة تمكّنت من فتحها وأغلقتها خلفي لكي أسدّ الطريق. تنفس أفراد العائلة الصعداء عندما رأوني، وأخبروني بالأحداث التي جرت، وبأن المهندس من عائلة دفورة، كان يعيش في أحد منازلنا المجاورة، قد اغتاله الرعاع مثيرو الشغب. سارعنا فورًا لإغلاق باب المنزل بسندات خشبية ثقيلة، وسددنا الباب المؤدي من المنزل إلى السطح، رغم إدراكنا بأنه لن سيمنعهم إذا قرر الناهبون الدخول من فوق السطح". توقف إسحاق لحظة ليشرب الماء وفكرت في تلك الأثناء بالعجز الذي كان سائدًا بين اليهود.

"سمعنا طيلة الليل أصوات إطلاق النار والصراخ والنحيب من المنازل المجاورة والأحياء البعيدة. استمر ذلك حتى الصباح، وكان الخوف يتملّكنا، ولم نستطع النوم. اختفى رجال الشرطة من الشارع، وتواريت وراء الستارة فشاهدت ما يحدث في شارع غازي القريب. رأيت كثيرًا من البدو قد استولوا على الأثاث والفراش والبطانيات والأواني المنزلية، وكل ما تطاله أيديهم من المنازل المسلوبة. قبيل الظهر توقف تدفّق الناس وساد هدوء مشوب بالحذر. وصل جنود عراقيون إلى منطقتنا وهم يحملون البنادق. اعتقدنا أن الخلاص قد جاء وأنهم أتوا لإنقاذنا من مثيري الشغب". توقف إسحاق عن الكلام لحظة. نظرت إلى الرجل الطاعن في السن، وهو يحاول أن يروي لي قصته بصعوبة رغم حالته الصحية. فأدركت قسوة ما جرى له.

"شريك أبي في شركة الوساطة العقارية، ساسون ساعاتشي، والذي اشتهر باسم ساسون جمعة، لأنه اعتاد التبرع بالمال للفقراء يوم الجمعة، كان يعيش بجوار عائلة دفورة. وعندما رأى الجنود من نافذته امتلأ فرحًا واغتباطًا، وأخذ يروي من النافذة بصوت عالٍ لأحد الضباط عما حدث وعن قتل المهندس. وقد شاهدته طيلة الوقت وأنا أقف خلف ستارة نافذتي. سأله القائد عن اسمه، وعندما اكتشف أنه يهودي، طلب من أحد الجنود إطلاق النار عليه. فرماه برصاصة اخترقت الصمت في الحي، تلتها ولولة عالية وزعيق حاد. سخاء قلب ساسون لم يكن لصالحه وفيما بعد لم يسعف بعض أبنائه. واستمر القدر بإنزال ضرباته عليهم الواحدة تلو الأخرى طيلة السنوات القادمة: فقد قتل الابن صبّاح على يد المهرّبين عندما قرر الرحيل إلى إسرائيل، وابنه ناجي، الذي خلف والده بالشراكة مع والدي، أعدمه نظام البعث شنقًا في عام 1969، وتوفي أخوه يوسف نتيجة نوبة قلبية انتابته عندما سمع عن إعدام شقيقه". اغرورقت عينا اسحاق وهو يخبرني عن مدى ارتباطه وعلاقته الحميمة بناجي.

"توقف إطلاق النار، وفي صباح اليوم التالي، فتح والدي، الذي كان مختار حي حانون وحي التراث، باب منزلنا الكبير فهرع مئات الأشخاص إلى البيت. أخرجنا الحصير والفراش لكل القادمين، وطهت والدتي كميات كبيرة من الأرز، ودفّأت الحليب للأطفال. وفجأة سمعنا صوت جدّتي تنادي أمي من الطريق: "فلورة، قتلوا أباك!" أطلّت أمي رأسها من النافذة لتفهم ما حدث، لكن جدتي لم ترغب بالدخول إلى البيت. أرادت أن تذهب لترى إذا جرى لبناتها الأخريات أي مكروه. وبعد أن عاد السكون إلى شوارع بغداد، رحل أفراد بعض الأسر من بيتنا وعادوا إلى منازلهم، وبقي بعضهم في منزلنا أسبوعًا آخر أو أكثر حتى تجرّؤوا على العودة...".

"إسحاق، لحظة فقط"، أوقفته. "لقد قتلوا جدّك وأنت تمرّ بذلك سريعًا، كيف قتلوه؟ كيف كان رد فعل والدتك؟ ماذا شعرت؟ ما اسم جدك؟" أمطرته بوابل من الأسئلة.

"كنا جميعًا منشغلين بهَول ما أحاط بنا، شعرنا بالغموض وعدم اليقين والرعب،" أجاب اسحاق بصوته الهادئ. "أصيبت أمي بصدمة، وخشيت الخروج من البيت. وفقط بعد أن ساد الهدوء أدركنا ما جرى. كان لجدّي سلمان جانجانة مصنع لزيت السمسم وصابون الغسيل بالقرب من منزله، وعندما تقدّم في السن، نقل الإدارة إلى ولديه اللذين كانا يعيشان معه ومع أسرتهما. ودفعا لقاء حمايتهما لضابط الشرطة، الذي تمركز في نقطة بالقرب من المنزل، للدفاع عنهما من اللصوص، ولكن عندما اندلعت أعمال الشغب، انضم الضابط إلى الجماهير التي هجمت لتنهب المنزل والمصنع، بدلاً من حمايتهم كما هو مطلوب. اختبأ أعمامي وعائلاتهم في بئر مهجورة داخل قبو، بينما جدّي، الذي كان تقيًا ورعًا، بقي في القبو يقرأ كتاب المزامير. آمن أن الله سينقذه. سحب الضابط مسدّسه وسأل جدّي أين الأولاد. أجاب الجد أنه لا يعرف. ثم سأله ثانية أين مخبأ الأموال، فأجاب جدي أنه لا يعلم. وردّا على ذلك رماه برصاصة في رأسه فقتله على الفور. تابع أعمامي مجريات الأحداث، لكنهم ارتعبوا من مغادرة المنزل." نظر اسحاق إلى بناته وزوجته قبل أن يتابع أقواله.

"أهوال هذين اليومين لا تكفّ عن مراودتي. حلمت لمدة طويلة بالعرب الذين طاردوني وأنا أهرب منهم على الدوام. وحتى اليوم، بعد عشرات السنين، أجد نفسي مستيقظا في منتصف الليل من الكوابيس، رغم أنني بعيد جسديًا ومن زمن 1 و2 يونيو من عام 1941." قال ذلك وعيناه تشهدان على الإرهاق والإعياء الذي أصابه.

لم أكن أعرف كيف أخفف عنه. نهضت وعانقته. أخبرته عن الروابط التي تنسج بين أبناء الجيل الثاني من يهود بابل في إسرائيل وبين عراقيين غير يهود يعيشون في العراق وخارجه، بواسطة شبكات التواصل الاجتماعي، وجهودنا المشتركة لبناء جسور الأمل، التي قد تصبح يومًا ما جسرًا فعليًا. تنفس الصعداء وطلب مني أن أحكي قصته وما حدث لليهود الذين كانت بغداد بيتًا لهم ذات مرّة.

* أديبة يهودية عراقية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي