بغداد _ العالم
في زمن تتسارع فيه الشاشات وتختفي فيه الفنون البسيطة خلف ضجيج التكنولوجيا، يبرز في مدينة العمارة نموذج مختلف لفنان قرر أن يقاوم النسيان بطريقته الخاصة. هنا، لا تُصنع الحكايات في استوديوهات ضخمة، بل على ماكينة خياطة منزلية، وبين قصاصات القماش وخيوط الصوف. الفنان المسرحي والناشط الإنساني مهند الحاج جاسب لا يكتفي بتقديم عروض للأطفال، بل ينسج عالماً موازياً، يمنح فيه الدمى صوتاً، ويعيد للخشبة دهشتها الأولى.
بدأت حكاية مهند بشكل بسيط، حين قرر مع صديقه علاء مالديني إدخال الفرح إلى قلوب أطفال المناطق الفقيرة في مدينة العمارة. ارتديا زي “بابا نويل” وجابا الأزقة على دراجات هوائية، يوزعان الهدايا ويرسمان البسمة على وجوه الصغار. غير أن تلك المبادرة العفوية سرعان ما تحولت إلى فكرة أعمق؛ إذ لاحظ الصديقان تفاعل الأطفال مع الشخصيات الخيالية، لتولد من هنا بذرة مشروع مسرحي مختلف.
لم تكن الطريق سهلة، فالتحدي الأكبر تمثل في غياب الإمكانيات، إذ إن استيراد دمى احترافية كان مكلفاً للغاية. لكن مهند اختار أن يصنع البديل بنفسه، مستعيناً بماكينة خياطة منزلية، ليحوّل القماش إلى شخصيات نابضة بالحياة. لم تكن تلك الدمى مجرد أدوات للعرض، بل أصبحت وسيلة للتعبير، تحمل رسائل اجتماعية وإنسانية تتنوع بين التوعية والسخرية، وتخاطب واقعاً مليئاً بالتحديات.
ومع مرور الوقت، أصبح مسرح الدمى الذي يقدمه مهند مساحة آمنة للأطفال، ونافذة يطلون منها على عالم أكثر لطفاً. جمهور بسيط يجتمع حول خشبة صغيرة، لكنه يحمل في داخله شغفاً كبيراً، يعيد إحياء فن يكاد يندثر في ظل هيمنة المحتوى الرقمي. هنا، تتحول الخيوط إلى حكايات، والدمى إلى أصوات تنطق بما يعجز عنه كثيرون.
رغم هذا الإصرار، لا يخفي مهند قلقه من مستقبل هذا الفن. فهو يرى أن مسرح الدمى يقف اليوم على حافة الغياب، مع تراجع الاهتمام المؤسسي وضعف الدعم الثقافي. ويعبّر عن خوفه من خسارة “وطنه الخاص” الذي صنعه بيديه، ذلك العالم الذي رسمه بعيداً عن الصراعات، حيث تسود الإنسانية ويعلو صوت الفن.
ورغم كل ذلك، يواصل مهند رحلته، متمسكاً بخيوط دماه كما يتمسك بالأمل الأخير. فهو لا يصنع عروضاً للأطفال فحسب، بل يقدّم رسالة مفادها أن الفن قادر على مقاومة القسوة، وأن البساطة قد تكون أعمق أشكال الإبداع. في مدينة العمارة، لا يزال هناك من يؤمن أن الدهشة يمكن أن تعيش، وأن مسرح الدمى، رغم كل شيء، لم يقل كلمته الأخيرة بعد.