مذكرات الموسيقي الحلبي سامي الشوا تشهد على عصر ذهبي
22-شباط-2026

سلمان زين الدين
لعل آخر تجليات حضور سامي الشوا يتمثل في صدور مذكراته أخيراً، عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت، بعنوان "مذكرات بلا رتوش"، بإشراف الباحث الكويتي أحمد الصالحي الذي يحقق المذكرات، ويصدرها بمقدمة ضافية، يعرض فيها لمحات من حياة الموسيقي ومقتطفات من مذكراته.
تشمل المذكرات سيرة صاحبها الذاتية، وتحدره من عائلة موسيقية عريقة، وتعالقه مع كبار الساسة والفنانين والشعراء، والتكريمات التي حظي بها، ومرجعيته الفنية والموسيقية، مما يجعل منها شهادة على العصر، ونافذة على العالم، ووثيقة تاريخية وموسيقية، وليست مجرد سيرة ذاتية لصاحبها، وفق ما يشير إليه المحقق في المقدمة التي يروي فيها كيفية العثور عليها من قبل شريكه في الاهتمام بسامي الشوا الباحث الموسيقي مصطفى سعيد، لدى الإعلامية مشيرة كامل، وقد وجدتها ضمن مقتنيات والدها المؤرخ الموسيقي محمود كامل.
ويذكر الحال التي كانت عليها قبل التحقيق لجهة سقوط صفحات منها، والصعوبات التي واجهته خلاله، والآليات التي اعتمدها فيه، والمصادر التي استعان بها لتدارك الناقص من المعلومات والساقط من الصفحات، مما يعكس حجم الجهد الذي بذله المحقق في عملية التحقيق. ويستفاد من المقدمة والمذكرات التي تمتد على سبعة فصول أن الشوا بدأ مسيرته الموسيقية مطلع القرن الـ20، وأنه بلغ أوج شهرته في العشرينيات منه، وأنه بدأ يدخل في الظل في الخمسينيات، وأنه أخلد إلى الصمت والعزلة في الستينيات.
السنوي في إطار من الخطية الزمنية، فيذكر الأحداث التي حصلت معه في سنة معينة حتى إذا ما انتهى منها ينتقل إلى أخرى، ولا يعني ذلك أن تكون الثانية متصلة بالأولى، فثمة انقطاع في التسلسل أحياناً، يبلغ ذروته في العقد الأخير من عمره الذي لا تأتي المذكرات على ذكر الأحداث الحاصلة فيه. ولعله يكتفي بذكر السنوات التي شهدت أحداثاً بارزة في مسيرته المهنية، مما يجعل من المذكرات مجموعة سنويات متصلة ومنفصلة، في الوقت نفسه. على أن ثمة إشكالية يطرحها هذا الترتيب تتعلق بنسبة الأحداث إلى السنة التي وقعت فيها، فكثيراً ما يخطئ المتذكر في تحديد السنة الصحيحة، وهذا ما يشي بكتابة المذكرات في مرحلة متأخرة من حياته بدأت فيها الذاكرة تضعف، مما يتداركه المحقق استناداً إلى الصحف والمجلات والمصادر المختلفة، وانطلاقاً من النص نفسه الذي قد تضطرب فيه المعلومات بين صفحة وأخرى، فيقوم بردم الفجوات بين السنين وتدارك ما لم تتم الإشارة إليه في المذكرات. ومن خلال هذا التسلسل المتصل المنفصل للسنين، نتعرف إلى الشوا بدءاً من بداياته، مروراً بتعرضه للضوء ودخوله في الظل، وانتهاء بإخلاده للصمت والعزلة.
عائلة موسيقية عريقة
يتحدر الشوا من عائلة حلبية الأصل، يتوارث أفرادها حب الموسيقى أباً عن جد، فجده الكبير يوسف يعزف على الكمان، وجده لأبيه إلياس يعزف على القانون، وأبوه أنطون يعزف على الكمان، وأعمامه عبود وحبيب وجورج يعزفون على العود والطبلة والنقرزان تباعاً. ولعل هذا الشغف العائلي بالموسيقى والعزف هو الذي حدا بالعائلة إلى تأسيس نوبة تحمل اسمها، منذ مطلع القرن الـ19، راحت تحيي الاحتفالات، وتهتم بالموشحات الحلبية. هذا التحدر من عائلة موسيقية عريقة، معطوفاً على شهرة الأب أنطون التي طبقت الآفاق في العزف على الكمان، كان لهما أبلغ الأثر في تشكيل ميول الطفل سامي الفنية واستعداداته الموسيقية المبكرة، فهو، في طفولته، قلما مر يوم لم يسمع فيه عزف أبيه على الكمان، مما جعله يعشق تلك الآلة، وينتهز فرصة غياب الأب عن البيت ليختلس التدرب على العزف، حتى تمكن من عزف الآذان المرفوع من الجامع المجاور لمنزله في حلب، وإثارة إعجاب إمام الجامع به.
غير أنه كان للأب رأي آخر، فهو ما إن علم بتدرب ابنه على العزف في غيابه حتى بادر إلى تحطيم الكمان كي لا يصرفه العزف عن الدراسة. على أن الشوا يشير، في المقابل، إلى تشجيع أمه له، واحتضانها موهبته منذ البداية، وإطلاقها في حفل عيد ميلاد أبيه، مما فاجأ الأب، وشكل نقطة تحول في موقفه، فأخذ يشرف على تعليمه العزف بنفسه، وأخذت الأسر المسلمة الكبيرة في حلب تدعوه إلى بيوتها، حتى إذا ما نصح المغني المصري يوسف توفيق صديقه الأب بإرسال ابنه إلى مصر لدراسة الموسيقى، يعمل بنصيحته، ويخطو الصبي خطواته الأولى على طريق الشهرة والمجد.
المرحلة المصرية
في مصر، تأخذ شخصية العازف الصغير بالتبلور شيئاً فشيئاً، ويأتي عزفه في بيوت الأسر الكبيرة ليلفت الأنظار إليه، فيذيع صيته، وتشيد به الصحف، وتنهال عليه دعوات العمل، فيعزف مع حسن حويحي، ومحمد إبراهيم، ويوسف المنيلاوي، وإبراهيم القباني، وعبدالحي حلمي، وسلامة حجازي، وسيد درويش، وداوود حسني، وأم كلثوم، وزكي مراد، وأبو العلا محمد، وغيرهم. وخلال هذه المرحلة المصرية، يلتقي كبار القوم في السياسة (مصطفى كامل، سعد زغلول)، والثقافة (محمد عبده، قاسم أمين)، والشعر (إيليا أبو ماضي، أحمد شوقي، خليل مطران)، والغناء (محمد عبدالوهاب، أم كلثوم). ويؤسس مع منصور عوض مدرسة لتعليم الموسيقى العربية، في عام 1907، في حي الظاهر الذي يقيم فيه، ويقبل عليها المتعلمون، من كل حدب وصوب، ويدخل في التدريس فيها بنفسه. وتنهال عليه عروض شركات تسجيل الأسطوانات فيقبلها، مما يعدد مصادر دخله، ويوسع آفاق شهرته. فيتلقى دعوات من خارج مصر للعزف وإحياء الحفلات، وتكون له جولات فنية، أميركية وأوروبية وعربية، تبلغ ذروتها في عشرينيات القرن الـ20 الذي يشهد ذروة تألقه الفني.
حول العالم
وإذا كانت مصر قد شكلت المهد الذي تبلورت فيه موهبة الشوا الموسيقية عزفاً وتأليفاً، ومنحته أجنحة الشهرة التي أتاحت له التحليق حول العالم، فإنه لم يدخر وسعاً في تلبية الدعوات التي راحت تنهال عليه من الخارج للعزف وإحياء الحفلات الموسيقية منفرداً أو بالاشتراك مع آخرين. وفي هذا السياق، يحيي في عام 1908 عشرين ليلة فنية في بيروت مع المطرب عبدالحي حلمي، ويعزف في قصور إسطنبول أربعة أشهر عاشها كالملوك.

«البلوزة الوهرانية» نحو اليونيسكو.. سر أناقة المرأة الجزائرية بالتراث العالمي
8-نيسان-2026
حين يهدد رئيس دولة بموت حضارة
8-نيسان-2026
حزب البعث..محظوظ
8-نيسان-2026
«إيقاعات صوفية» في بغداد: معرض تشكيلي لفنان إيراني يجسد الروحانية
8-نيسان-2026
«زجاجات» المغربي.. افضل فيلم روائي في مهرجان العراق السينمائي للشباب
8-نيسان-2026
من مزاح عابر إلى فوضى معلوماتية تهدد الثقة وتثير الذعر
8-نيسان-2026
مجلس الوزراء يوافق على شراء منظومات دفاعية متطورة
7-نيسان-2026
استراتيجية حكومية لحماية الرواتب وتنشيط التصدير اثر صعود أسعار النفط
7-نيسان-2026
تحرك رقابي على قروض «خاصة» في مصرف الرافدين
7-نيسان-2026
الحكومة تؤخر دوام الموظفين وترصد مكافآت للتأهل
7-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech