بغداد _ العالم
في خطوة تعكس توجهاً متجدداً نحو حماية الإرث الحضاري العراقي واستثماره سياحياً، تستعد الهيئة العامة للآثار والتراث لإطلاق مرحلة جديدة من عمليات صيانة وتأهيل أبرز المواقع الأثرية في البلاد، بعد إدراج مشروعي تأهيل قلعة كركوك وزقورة أور ضمن الخطط المعتمدة لدى وزارة التخطيط العراقية، بانتظار المصادقة النهائية على الخطة الاستثمارية للشروع بالأعمال الميدانية.
وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدولة إلى الحفاظ على مواقع تاريخية تمتد جذورها لآلاف السنين، وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي وثقافي قادرة على استقطاب الزوار من داخل العراق وخارجه، بما يعزز من الاقتصاد الوطني ويرسخ الهوية الحضارية للبلاد.
يشكل مشروع تأهيل قلعة كركوك أحد أبرز المشاريع المدرجة ضمن الخطة، إذ يتضمن تنفيذ أعمال صيانة شاملة للمباني الأثرية داخل القلعة، فضلاً عن إعادة إعمار المنازل التراثية وصيانة المعالم المختلفة التي تحتضنها. وتُعد القلعة، التي يتجاوز عمرها ألف عام، من أهم الشواهد التاريخية في العراق، لما تحتويه من تنوع معماري وثقافي يعكس تعاقب الحضارات على المدينة.
وبحسب مدير عام دائرة الصيانة والحفاظ على الآثار في الهيئة، محمد البياتي، فإن الجهود الحالية تركز على إعادة إحياء هذا المعلم التاريخي وإعادته إلى الواجهة السياحية والثقافية، بما ينسجم مع قيمته الرمزية ومكانته في الذاكرة العراقية.
أما مشروع تأهيل زقورة أور، فيحمل بعداً سياحياً متكاملاً، إذ يتضمن إنشاء مرافق خدمية وسياحية، إلى جانب مدينة مخصصة للزائرين، بما يسهم في تحويل الموقع إلى وجهة سياحية عالمية. وتُعد زقورة أور واحدة من أبرز المعالم الأثرية في العراق، ومرتبطة بتاريخ الحضارة السومرية التي تعد من أقدم حضارات العالم.
كما يهدف المشروع إلى تسهيل استقبال الوفود السياحية الدولية والمحلية، عبر تطوير البنية التحتية للموقع وتحسين الخدمات المقدمة، بما يواكب المعايير العالمية في إدارة المواقع التراثية.
ويُذكر أن بعثات دولية، من بينها بعثات إيطالية، نفذت خلال السنوات الماضية أعمال صيانة مهمة لأجزاء من الزقورة والمعابد المحيطة بها، خاصة في ما يتعلق بتدعيم الطابوق الأثري والحفاظ على البنية الأصلية للموقع.
وفي موازاة هذه المشاريع، تواصل الهيئة العامة للآثار والتراث تنفيذ جولات ميدانية في مختلف المحافظات، عبر ملاكات مفتشيات الآثار، لمتابعة أوضاع المواقع الأثرية ورصد أي تجاوزات أو محاولات تخريب أو تنقيب غير قانوني.
وأكد البياتي أن حماية الإرث الحضاري لا تقتصر على الجهات الرسمية فحسب، بل تتطلب تعاوناً مجتمعياً واسعاً، داعياً المواطنين إلى الالتزام بالقوانين والإبلاغ عن أي نشاطات مشبوهة تستهدف المواقع الأثرية.
وشدد على أن أي اعتداء أو تنقيب غير شرعي يعرض مرتكبيه للمساءلة القانونية، في ظل القوانين التي تجرّم المساس بالمواقع التراثية.
تعكس هذه المشاريع رؤية مستقبلية تهدف إلى تحويل المواقع الأثرية العراقية إلى روافد اقتصادية وثقافية فاعلة، من خلال تطويرها بما يتلاءم مع متطلبات السياحة الحديثة، دون المساس بأصالتها التاريخية.
ومع استمرار الجهود الحكومية والتعاون الدولي، يأمل العراق في استعادة مكانته كأحد أهم المراكز الحضارية في العالم، مستنداً إلى إرث غني يمتد عبر آلاف السنين، وقادراً في الوقت ذاته على خلق فرص جديدة للتنمية وتعزيز حضوره على خارطة السياحة العالمية.