بغداد _ العالم
تمثل المعماريات العراقيات نموذجاً لافتاً في كسر القيود الاجتماعية والمهنية التي لطالما أحاطت بعالم التصميم والبناء، وهو مجال ظل لعقود طويلة حكراً على الرجال. فمن الراحلة العالمية زها حديد إلى المعماريات الشابات مثل أسيل علوان، تبرز أسماء عراقية استطاعت أن تثبت حضورها محلياً ودولياً، جامعة بين الطموح والابتكار والقدرة على تحويل الفكرة إلى منجز معماري حي.
وحظيت زها حديد بشهرة عالمية غير مسبوقة، جعلتها أيقونة في تاريخ العمارة الحديثة، إلا أنها لم تكن المعمارية العراقية الوحيدة التي اقتحمت هذا العالم الصعب. فقد أنجب العراق، خلال العقود الأخيرة، معماريات بارزات من بينهن ابتهاج البلوري، ومروة الدبوني، وغيرهن ممن اخترن هذا الطريق الشاق وتميزن فيه رغم التحديات.
وتذهب المعمارية ابتهاج البلوري إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن انخراط النساء العراقيات في مجال العمارة ليس ظاهرة حديثة، بل يمتد بجذوره إلى أعماق التاريخ. وتقول البلوري إن وجود نساء سومريات أو آشوريات أو أكديات شاركن في العمارة والبناء أمر غير مستبعد، حتى وإن لم توثق أسماؤهن في المصادر التاريخية.
وأضافت البلوري أن النساء كنّ حاضرات في مختلف مجالات الحياة قديماً وحديثاً، لكن التاريخ غالباً ما أغفل ذكر إنجازاتهن، مرجحة أن تكشف الاكتشافات والدراسات المستقبلية عن بصمات نسوية واضحة في فن العمارة القديمة.
وتُعد الحضارة السومرية، التي نشأت في جنوب بلاد الرافدين، واحدة من أقدم الحضارات في العالم، واشتهرت بابتكار الكتابة المسمارية وتطور فن العمارة والزراعة والنحت، ما يعزز فرضية مشاركة النساء في هذا الإرث الحضاري المبكر.
وُلدت المعمارية الراحلة زها حديد في بغداد عام 1950، ودرست الرياضيات في الجامعة الأميركية ببيروت، قبل أن تتخصص في العمارة في لندن. وتميزت بتصاميم ثورية غير مألوفة، جعلتها من أبرز المعماريين في العالم، ونالت بفضلها جوائز عالمية مرموقة، أبرزها جائزة “بريتزكر” عام 2004، وجائزة “ستيرلينغ” البريطانية، إضافة إلى أوسمة شرف دولية.
وقدّمت حديد تصاميم معمارية خالدة في مدن عدة حول العالم، قبل أن ترحل عام 2016، تاركة إرثاً عالمياً جعلها رمزاً للمرأة القادرة على اختراق أعلى مستويات الإبداع.
تجارب عراقية معاصرة
إلى جانب زها حديد، تبرز ابتهاج البلوري كإحدى الأسماء المؤثرة في العمارة العراقية المعاصرة، إذ تمتلك تجربة تمتد لنحو ربع قرن، جمعت فيها بين الممارسة المهنية والتشكيل الفني. وتحمل البلوري شهادات أكاديمية متعددة من جامعات عراقية وبريطانية، وأسهمت بتصاميم معمارية متميزة، من بينها معارض سيارات عالمية، وسيُخلّد اسمها في “موسوعة العمارة العراقية”.
كما تمثل المعمارية الشابة أسيل علوان جيلاً جديداً من النساء العراقيات في مجال العمارة، إذ أسست مكتبها الهندسي الخاص، وقدمت تصاميم تمزج بين الحداثة والهوية التراثية، من بينها مدارس ومؤسسات صحية في محافظات عراقية مختلفة.
وتعكس هذه التجارب، القديمة والمعاصرة، مسيرة متواصلة للمرأة العراقية في مجال العمارة، تؤكد أن الإبداع لا تحدّه القيود، وأن الحضور النسوي في التصميم والبناء كان وما زال جزءاً أصيلاً من المشهد الحضاري العراقي.